ثقافة وفنون

حصريا.. الفصل الثاني من رواية «سراديب الذهب» للأديب محمد العون

تدور الرواية في أجواء تاريخية وبطلتها الرئيسية الملكة حتب حرس٬ أم الملك خوفو العظيم

فى طريق عودتها مرت بالقرب من جموع العمال وهم منتشرون فوق صحراء دهشور ، يعملون بكل جدية فى بناء البيت الأبدى الثانى لزوجها ، وإقامة المعبد الجنائزى الملحق به ، كتل الأحجار الجيرية الضخمة تُنقل على زحافات تجرها الثيران وحولها عشرات العمال فى فرق منظمة ، تأتى من محاجر طرة القريبة ليجرى تقطيعها إلى مكعبات ، قوافل الحمير تنقل قرب الماء وأجولة الغلال والخضروات إلى الأفران والمطابخ التى تُعد الخبز والطعام لآلاف العمال.

على مسافة قريبة يربض مبنى هرمى آخر ، البيت الأبدى الأول الذى بناه زوجها وبعد اكتماله لم يرض عنه ! رأى أنه مشوه وغير لائق ، وأخذ يفكر فى بناء آخر بدلاً منه ، ساعتها قالت له معترضة.

– أرى أنه أجمل وأكبر من بيت الأبدية لجدنا زوسر !

– الفكرة اختلفت يا عزيزتى ، هو مدفون فى غرفة تحت هرمه المدرج فى عمق الأرض ، أما أنا فسوف استقر فى غرفة تعلو الأرض كثيراً ، فى منتصف هذا البيت الأبدى المشيد من الحجر ..

– أعلم هذا بالطبع ، لكنه جميل فى نظرى ومتطور.

– لا لا .. هذا الانبعاج فى شكله ، وزواياه غير المستقيمة لا يعجبنى ، لقد تقدمت علوم الهندسة والبناء تطوراً كبيراً عما كانت فى زمن جدنا زوسر ومهندسه أمنتحتب ، وكذلك عما كانت فى أيام عمى ووالدك الملك العظيم حونى ، حدثت مشاكل متعددة فى هرمه الذى استكملته أنا كما تعرفين.

– نعم بالطبع ..

– ولا تنسى أننى مهندس قبل أن أكون ملكاً ، درست الهندسة وإنشاء المبانى وعلوم الأرقام والحساب منذ أن كنت أميراً صغيراً ، هل تذكرين ؟

سألها وهو يضحك ويقرصها مداعباً فى خصرها ، فأجابته مبتسمة.

– لم أنس بالطبع ، وأعرف أنك مهندس ماهر أيضاً.

– لا يليق بملك مصر أن يستقر جسده فى مبنى به أخطاء هندسية ، أشعر أنه سينهار يوماً ما على جسدى المسكين هذا وتضيع حياتى الأبدية !

– لكن هذه التكلفة الطائلة .. أخشى أن يؤثر تشييد الهرم الثانى ، على حياة الناس ومعيشتهم.

ابتسم ابتسامته الطيبة المعهودة وداعبها برفق ممسكاً بكتفها ، وهما يجلسان فى حديقة القصر الغنية بالأشجار والزهور ، ثم قال.

– مصر أغنى بلد فى العالم وثرواتها لا تنتهى ، وتستطيع أن تبنى عشرات بل المئات من المعابد والمبانى الحجرية دون أن يؤثر ذلك فى ثرائها ورخاء شعبها .. لا تقلقى بهذا الشأن.

– كأنك نسيت زمن القحط عندما غاب الفيضان !

– آآه .. يالك من ماكرة ، أمازلت تذكرين تلك الأيام ؟ كانت تجربة قاسية ، لكن تلك السنوات ولت بغير رجعة ولن تعود لأجيال طويلة قادمة ، لا يحدث هذا الأمر إلا على فترات بعيدة من الزمن.

بطبيعته الودودة لم يرد أن يخبرها بالسر الذى لا يعرفه سوى عدد محدود للغاية من كبار الكهنة والمهندسين ، كى لا يجرح مشاعرها ، السر الذى توصل إليه علم الحسابات والأرقام وهندسة البناء ، أن الشكل الهرمى ذو الأربعة أوجه هو أكثر المجسمات المعمارية قدرة على حفظ ما يوضع بداخله ، وعلى حماية الأجساد ووقايتها من التعفن بشكل أفضل من المقابر المدفونة فى باطن الأرض ، وحتى المعدن لا يصدأ إذا وضع فى غرفة داخل منتصف الهرم ! بشرط أن تكون الأضلاع الأربعة مستقيمة كحد السيف وبلا أى انبعاج أو اعوجاج ، هذه الميزة من حق الملك بمفرده لا يشاركه فيها أحد كائناً من كان .. حتى زوجته الملكية !!

***

وصلت بها المحفة إلى المرسى عند القناة المتصلة بالنيل ، زحام شديد وصياح لا يتوقف وحركة نشطة على المراكب القادمة من محاجر طرة بالحجر الجيرى الأبيض ، وتلك القادمة من محاجر أسوان البعيدة محملة بالجرانيت ، صف طويل من المراكب التى تقف على رصيف الميناء والعمال ينزلون حمولتها.

مع اقتراب موكب الملكة توقف الجميع وهدأ الصخب ، انحنوا وهى تمر بهم فى طريقها إلى مركبها الذى يقف فى انتظارها بالمرسى الملكى.

بعد أن استقرت على كرسيها الذهبى المريح داخل المقصورة ، خرج المركب من مرساه إلى عرض القناة الواسعة وأسرع فى طريقه نحو مدينة منف ، قدمت لها إحدى الوصيفات كأساً زجاجية بها مشروب مرطب ، أخذت ترتشفه وهى تنظر إلى الضفة وما يجرى عليها من أعمال ، هذه المعابد بأعمدتها العالية والبيوت الأبدية التى يجرى تشييدها تحت الأرض للأمراء والأميرات ورجال الدولة ، عمل عظيم بلا شك يجرى تحت رعاية زوجها ! حول هذه الصحراء إلى جبانة ملكية مزدهرة بالحياة ! سينعم فيها الجميع بحياة سعيدة ، لن يجرؤ أحد أن يقلق راحتهم أو ينغص عليهم أبديتهم !

من بعيد والمركب يسبح على صفحة النيل متجهاً نحو الضفة الأخرى للنهر ، أخذت حدائق منف بنخيلها وأشجارها الضخمة العالية تظهر أمامها ، وبدا القصر الملكى بلونه الأبيض والرايات الملونة تخفق فى الهواء أمامه ، شامخاً عالياً وهو يُطل على شاطئ النيل ، وحوله على الجانبين امتدت قصور الأمراء وبيوت رجال الدولة فى صف طويل.

نظرت فى سعادة إلى حديقة القصر وهى تمشى على الممر المؤدى إلى جناحها ، أحواض الزهور المنسقة بنظام هندسى بديع وألوانها المتعددة المبهجة وشذاها الذى يملأ الجو ، والأشجار الوارفة الظليلة والنسيم القادم من النيل يهز أغصانها برهافة ، ما أشد قسوة الصحراء فى مصر ، حدثت نفسها وهى تعقد مقارنة بين هذا الجمال والنعيم الذى تراه الآن وهى على ضفة النهر ، وبين جفاف الحياة وصعوبتها بعيداً عنه.

قبل أن تصل إلى جناحها لمحت ابنها الأمير الشاب خنوم خوفوى ولى العهد وأخاه الأصغر الأمير رع حتب ومعهما نفر ماعت وزير الملك بقامته الفارعة ، كانوا يسيرون باتجاه باب القصر الكبير المؤدى إلى قاعة العرش ، وهم يتناقشون معاً حتى أنهم لم يروها ، شعرت أن هناك أمراً مهماً يشغل بالهم ! لكنها لم تلق بالاً ، فهكذا عادة الرجال مع شئون الحكم ، كل أمر مستجد مهما كان بسيطاً يشغلهم ويؤرق بالهم ، تعرف هذا منذ صباها ومن خلال نشأتها فى قصر أبيها الملك.

***

فى أيام شبابها وسنوات زوجها الملك سنفرو الأولى فى الحكم ، دخل فى أحد الأيام إلى غرفة نومهما متجهماً على عكس طبيعته البشوشة وقال لها بحزن.

– يبدو أننا مقبلون على أيام صعبة !

جلس على أحد الكراسى وهو ينظر إلى مشهد غروب الشمس البديع الذى تُطل عليه الشرفة الواسعة ، تنهد متحسراً فى غيظ أمام صفحة النيل وقد تحولت إلى اللون الذهبى الضارب للحمرة.

قامت حتب حرس عن كرسيها العريض بوسادته المبطنة بريش النعام ، وقد بدا عليها القلق.

– ماذا بك يا سيدى ؟ ما الذى حدث ؟

قال مشيرا إلى النيل.

– هذا النهر الطيب ، مصدر سعادتنا وثرائنا ، سوف يبدأ فى الانحسار خلال الأيام القادمة ، لم يعد هناك أمل أن يأتى الفيضان هذه السنة ..

صاحت الملكة بفزع.

– إنها كارثة ..

رد عليها بأسى.

– وأى كارثة يا حبيبتى ، كنت أتمنى دائما ألا تحدث هذه المصيبة ، التى سمعنا عنها فى أخبار الأجداد القديمة ، خلال زمنى وأيام حكمى ، لن نتمكن من زراعة القمح والكتان ومحاصيل الخضر والفاكهة هذا العام ، حتى أشجار العنب التى نحصل منها على النبيذ ، والبرسيم الذى تتغذى عليه مواشينا ، وكل الأشجار الأخرى سوف تجف.

– ستتوقف الحياة فى مصر وسوف يعانى الناس من الجوع ! لكن لابد من وجود حل ، أليس كذلك ؟ أرض مصر ملأى بالذهب والنحاس والفيروز ..

– وماذا يفعل الذهب لرجل جائع ، إذا لم يكن هناك طعام يشتريه !

توقف قليلاً ثم أضاف وهو ينهض بحماس الشباب عن كرسيه ويذرع أرض الغرفة بعصبية.

– إن القمح هو الذهب الحقيقى ، ثروة مصر فى خصوبة أرضها وزرعها قبل أى شىء.

– وماذا ستفعل ؟

– ليس أمامى إلا التصرف بمنتهى الحكمة فيما لدينا من قمح وغلال فى المخازن ، الموجودة فى جميع المدن على طول البلاد ، بالإضافة إلى المساحات الصغيرة التى سنتمكن من زراعتها !

كانت فترة طويلة من الزمن مرت بمشقة بالغة ، عدة سنوات من القحط عانى خلالها الجميع ، تحول السمك الذى حُوصر فى المياه الضحلة إلى الطعام الرئيسى للناس حتى أوشك على النفاد ، وكذلك الحيوانات البرية والطيور التى تعيش على النهر وفى الصحراء ، أكل الناس كل ما يمكن أكله فى غياب القمح ومحاصيل الزرع ونفوق الماشية والخراف ، انتشرت الأوبئة وارتفعت أعداد الموتى خاصة الأطفال ولم تُفلح محاولات الأطباء ولا أدويتهم ، فى مواجهة الأمراض الناجمة عن الجوع  والقحط .. حتى أوشك الناس على الهلاك.

*************

رواية سراديب الذهب لـ محمد العون

رواية «سراديب الذهب»، للكاتب محمد العون، وصادرة عن دار روافد للنشر والتوزيع، وتدور أحداثها في أجواء تاريخية وبطلتها الرئيسية الملكة حتب حرس٬ ابنة الملك حونى (آخر ملوك الأسرة الثالثة)، وزوجة الملك سنفرو (أول ملوك الأسرة الرابعة) وأم الملك خوفو العظيم.

حيث تسرد الرواية حياة الملكة، منذ طفولتها فى حياة أبيها، وحتى شيخوختها فى زمن ابنها خوفو، راصدة أحداث مثيرة كثيرة تعرضت لها الملكة في حياتها وبعد مماتها، ومن بينها قيام اللصوص بسرقة قبرها بعد وفاتها بسنوات قليلة فى أثناء حكم ابنها خوفو، والذي كان مشغولًا ببناء الهرم الأكبر.

جدير بالذكر، أن الأديب محمد العون، له العديد من الأعمال الأدبية ذات الشعبية الواسعة والحضور المتميز في عالم الأدب، وهو ما أهله للحصول على جائزة الدولة التشجيعية في عام 2013 وأيضًا جائزة اتحاد الكتاب عام 2014.

ويمكنك الحصول على النسخة المطبوعة من رواية «سراديب الذهب» للأديب «محمد العون» من خلال الناشر «دار روافد للنشر والتوزيع» أو من خلال جناح الدار بمعرض الكتاب 2019. 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

ياسر حسني

كاتب وصحفي وباحث (مصر)
للتواصل: yasserhossny.net@gmail.com
ياسر حسني
الوسوم

ياسر حسني

كاتب وصحفي وباحث (مصر) للتواصل: yasserhossny.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق