الدين والدنيامساحة للاختلاف

الأزهر الشريف بين مؤيد ومعارض.. وصائد في الماء العكر

حديثي عن الأزهر الشريف ، ليس كحالة مجردة، و ليس حديثًا عاطفيًا مجردًا، ولا حديثًا عقليًا مجردًا، ولا حديث المنحاز انحيازًا مطلقًا، ولا المعارض معارضة مطلقة.

وأنما اتحدث بشروط، وحدود عن الأزهر كحالة مصرية، ومنتج حضاري أثرت به مصر في العالم..

وككيان مادي ومعنوي يؤهلها لاستعادة دورها الحضاري من جديد، بما يحقق الرسالة القدرية المقررة على مصر تجاه الإنسانية كلها عبر التاريخ.

ووفق اعتقادي فإن العلاقة بين الأزهر ومصر علاقة تبادلية..

فقوة الأزهر من كونه في مصر، كما أن من عناصر قوة مصر هو الأزهر الشريف.

واكتسب الأزهر مكانة القبلة العلمية الأولى لأغلب المسلمين في العالم، قبل حوالي ألف عام منذ اتخذه صلاح الدين الأيوبي مدرسة لتدريس ونشر «منهج أهل السنة».

وقد أرسى الإمام أبو الحسن الأشعري منهج أهل السنة، كأساس مصالحة، ومبادرة سلام بعدما عانته الأمة من فتن وصراعات دموية بين الفرق، والمذاهب، والطوائف التي تراكمت وعج بها العصر العباسي.

وحقق هذا المنهج أهدافه الإصلاحية، والتصالحية، والتف حوله علماء المسلمين آنذاك ، فشاع، وانتشر في أرجاء العالم الإسلامي القديم والحديث.

 

الأزهر الشريف يتبنى مذهب أهل السنة

كما أن «منهج أهل السنة» الذي أرساه الإمام الأشعري، تميز بقدرته على الاستدلال “النقلي” و”العقلي” لقضاياه، بما كشف العورات “العلمية والعملية” لكل تلك الفرق، والمذاهب،  والطوائف المتصارعة حتى صارت معزولة “فكريا واجتماعيا وسياسيا” وأغلبها انقرض، واندثر بعدما كانت كل منها تعتبر نفسها “هي الإسلام، والإسلام هي”.

ويسمي البعض منهج أهل السنة الذي يتبناه الأزهر بـ “المذهب الأشعري” حبا وتكريما للعالم الجليل “ابو الحسن الأشعري”، في حين يسميه البعض الآخر بـ “مذهب الأشاعرة” بغضا وكرها وتقزيما له، ولإظهاره كأنه مجرد منهج طائفة محدودة العدد “مثل جماعاتهم الإرهابية المهزومة والمنبوذة”

ولا أريد الاستفاضة في الحديث عن منهج أهل السنة، ولا الإمام الأشعري، فهذا المقال ليس هدفي منه التعريف بالإمام، ولا التعريف بمنهجه ولا الدفاع عنه، أو الترويج له.

والحاصل أن الأزهر وبهذه المرجعية صارت له مكانة عظيمة في سائر أرجاء العالم وعبر العصور حيث ينتهج السواد الأعظم من المسلمين هذا المنهج على اختلاف مذاهبهم الفقهية وتنوع مدارسهم التربوية، وتعدد جامعاتهم العلمية.

والتزم الأزهر في تاريخه الأمانة العلمية، وقبول الآخر، بإتاحة تراث الأولين عربا، وعجما لطلابه، وعدم حجره عليهم في قراءته والاطلاع عليه، بل أنه اتخذ من هذا التراث عينات فرضها كمواد دراسية بما ينمي لدى طلاب العلم مهارات النقد، وبما يرسخ لديهم مفهوم الحرية.

وكما في أغلب الأحيان فإن كل دواء تكون له آثاره الجانبية وغير المرغوب فيها، فليس مستبعدا ولا مستغربا أن يصاب بعض طلاب العلم بعدوى الأفكار الخاطئة التي تحتويها بعض كتب التراث “بأنواعه”.

حيل شيطانية تمارسها الجماعات ضد الأزهر

وكما كان الأزهر قبلة طلاب العلم من أنحاء العالم، فقد كان هدفًا للمتآمرين على مصر، والأمة بحيل متنوعة، فمنهم من تآمر بارتداء ثوب الأزهر وادعاء الانتساب له.

ومنهم من بلغ في تآمره إلى حد التشنيع والتحقير ومنهم من تآمر باختلاق مرجعيات بديلة.

وكل هذه الحيل التآمرية مارستها الجماعات الإرهابية بمختلف مسمياتها.

ورغم ما يظهرونه من عداوة للأزهر، ورغم أنهم يتهكمون به بتسميته “الأزعر”، ورغم محاولاتهم التقليل من شأن منهجيته باختزال تسميتها بـ”المنهج الأشعري”، متجاهلين اسمه الاصلي “منهج أهل السنة”، فتحرص هذه الجماعات اللإرهابية على دمج اتباعها في الدراسة بالأزهر سواء الدراسة النظامية، أو الدراسة عن بعد بالانتساب.

كما تمارس هذه الجماعات حيل شيطانية لاحتواء أي شيخ منسوب للأزهر وتجنيده لحسابها، بالإغراءات المادية، والرشاوى العينية والمعنوية، مثل عقود العمل بمدارسهم، والظهور الإعلامي في قنواتهم الفضائية، ومن ثم تصديره للناس إعلاميا كأنه ممثل الأزهر فيها “لتكتسب مصداقية، وشرعية فكرية” أمام الناس.

وفي الجانب الآخر وبعدما ضج الناس من إرهاب جماعات الإرهاب والكذب باسم الإسلام، فقد ظهر الوجه الآخر للمتآمرين على الآزهر، وهم فئة النقاد المأجورون، المنتسبون “حقيقة أو ادعاء” للعلوم العصرية، أو الشرعية.

كلام مرسل مزين بالشعارات

ولا يخرج أغلب نقدهم للأزهر عن مستوى الكلام المرسل المزين بالشعارات، أو المزخرف بحقائق “محاط بكل واحدة منها ألف كذبة”، بدعوى “الإصلاح والقضاء على جماعات الإرهاب”، فخرجوا بانتقاداتهم عن حدود المعقول والمقبول.

وبعض نقاد هذه الفئة ينافس مستوى الإرهاب بـانتقادات لا تخلو من صيغ الارهاب الفكري والخروج عن حدود الأدب، وبعضهم ينادي بإغلاق الازهر نهائيا، ومنهم ينادي بتحويله لجامعة علوم بحته، ومنهم من ينادي بتغيير المناهج والتي يصرون على تسميتها بـ “التراث”، على ما في هذه التسمية من خطأ علمي كبير ينم عن عدم منهجية هذه الفئة من النقاد في التفريق بين المادة العلمية، والمادة التراثية.

وإغلاقا للطريق أمام الصائدون في الماء العكر، ومشعلي الفتن حول مؤسسات الدولة، ومنها الأزهر الشريف، يجب التأكيد بأنه لم يخل زمان من دعوات إصلاح وتطوير بالأزهر، من داخله، أو خارجه، ولم يقف الأزهر متعنتا ضد هذه الدعوات، بل انسجم معها وقادها.

واوضح مثال لهذه الحقيقة، هي مرحلة بناء الدولة الحديثة، التي قادها محمد علي باشا والتي نقل بها مصر الأمة ومن وراءها الأمة العربية، والإسلامية من عصور التخلف والظلام “السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري” التي عاشوها تحت احتلال ما يسمى بـ “الخلافة العثمانية”.

فبعد جلاء الحملة الفرنسية عن مصر “اختار علماء الأزهر” محمد علي باشا واليا على مصر لما ابداه لهم من رغبة في تحرير مصر من احتلال الترك، والاستفادة من الحضارة الاوروبية الحديثة في نهضة مصر من جديد.

وكان علماء الأزهر وطلابه هم الجيل الأول الذي نفذ هذه الرؤية ونقل العلوم والفنون الحديثة من أوروبا إلى مصر.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

صلاح هزاع

صلاح الدين أحمد هزاع .. أخصائي خبير في الإعلام والصحافة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.