مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة 15)

أول تجربة حب شبابية. حينما رجعنا إلى قريتنا الأم سنة 1985 لم نرجع لمنزلنا القديم فى الشارع الغربى من القرية، بل بنينا بيتا جديدا فى بحرى البلد. كنت منشغلا بدراستى ولم اشغل نفسى ابدا بالحب أو باى شيء آخر غير الدراسة. لكن عودتى للقرية جاءت فى الوقت الخاطيء تماما، وكنت أود لو أنها تأخرت سنة واحدة عن موعدها. نظرا لحاجتى للتفرغ أكثر للشهادة الثانوية، وبعيدا عن تشتت الذهن والانشغال بأمور اخرى. فقد كان جو قرية الرياينة مثاليا تماما للمذاكرة والتفوق، ويشكل جوا انعزاليا أكثر، ولا مفر لى منه إلا القراءة والكتب. كم تمنيت الرجوع لقريتى قبلها، لكنى عدت فى اللحظة الخطأ، وهى سنة تحديد مستقبلي فى الثانوية العامة فى السنة التالية سنة 1986. ومع الجو العائلى الجديد ودخول المهنئين بالعودة وتعودى على الخروج من المنزل، ومشاركتى فى مناسبات اجتماعية أكبر ولعب كرة قدم، كل ذلك وغيره أدى فى النهاية إلى حصولى على 73% وبالتالى قررت دخول كلية الآداب. لم أكن أتوقع ابدا ان تضيع منى كلية السياسة والاقتصاد بسهولة هكذا بتهاونى وعدم تقديرى للموقف، والثقة الزائدة عن الحد فى نفسى وقدراتى.

من بين صفوف المهنئين بنجاحى فى الثانوية ظهرت فتاة صغيرة طويلة وممشوقة القوام وبيضاء مخملية.. فاها كالخاتم، وعنقها كابريق الفضة، وساقيها كجمارة نخل. وقفت تمد يدها بحياء، ونطقت مبروك يا استاذ أحمد. فالتقطت ريقى فورا، ورددت شكرا عقبالك يا….. ضحكت خطفا فأبانت أعجابا، وصكت وجها فى اللحظة والتو. تراقب نظرات والدتها فتخشى لوما وتانيبا على هذا الذى ضحكت له. اعرفها اسما لا شكلا، واعرفها مبنا لا معنى. لم اتنبه يوما لغرام يسكن قربى، أو لعيون تنظر ودى. فى تقديرى ما زالت طفلة فمتى كبرت؟ وما زالت لحما غضا فمتى شحمت؟ امعقول ألا الحظها الا هذا اليوم؟

أسئلة كثيرة طرحتها فى نظرة وسلام، واجابات تطلب همسا وكلام. من هذى اللاتى طلعت فى البخت؟

فى اليوم الثانى ألقت عيونها سلام فوثقت ما كان بالامس… أعطت شقيقتها الصغرى قبلة فنطقت بهيام. سؤال راودنى فورا: هل هذه القبلة رسول غرام؟ ام لا تدرى شيئا من هذا؟

شاورت لها بيدى فردت تلويحا خجلى. وخطت خطوات مقتربة نحوى لكن سرعان ما رجعت. ركزت كثيرا فى نظرتها، وحللت طويلا: ما هذا الذى يحدث لى؟

هكذا بدأت قصة حبى فى برهه، وما أغرب من بدايتها الحلوة، وما أصعب من نهايتها المرة.

كانت فتاة تشبه فاكهة مصنوعة كوكتيل، ولا أدرى بها. متى جمعت هذا الدلال والجمال والحلاوة؟

كانت تعرف مواعيدى فى المرور امام منزلها يوميا، فتضبط خروجها أمام الباب لأى سبب. كانت تنتظر عودتى من السهر ليلا ولا تنام إلا مع سماع صوت قدمى يدب فى الشارع. وحينها تطفيء الأنوار وتذهب للنوم.

يا الهى ما هذا الذى يحدث من تلك الفتاة التى تختبر الحب بتلك الطريقة البديعة؟ وتختلق الاعذار لكى ترانى بتلك الطريقة البريئة؟ كنت اتأخر عمدا لارقب ما يجرى منها. كنت اختبر حبا ينمو على مهل، وجنينا يتشكل خطوة خطوة.

ارتنى كل شيء يريده الحبيب، واخفت عنى كل شيئ ينتظره العاشق. لمحت لها من بعيد فنطقت بنعم على استحياء، وجسمها يرتعش. كلمتها ببعض مفردات الحب فخجلت منى وابتعدت. توثق كلام العيون بيننا طويلا، ونطقت المشاعر طيلة الصيف والاجازة.

تقدم لها أحد الخطاب فرفضت، وذكرت لى ذلك. لم أفهم ماذا تقصد؟ هل تريد زواجا منى فى هذا السن؟

تركتها حائرة وذهبت لجامعتى، دون جواب أو امل كاذب. كنت مقبل على سنوات طويلة فى الدراسة، ولا أريد أن ابيع لها الأمل والاوهام.

وحينما عدت بعد شهر، كادت ان تبكى كمدا على هذى الفرقة. عبرت نظراتها بكل الحب وبما تكنه لى من وحشة. يال لهذه الفتاة من وجع. تفاجئنى بعريس آخر يتقدم وهى ترفض كالعادة. الست فى المدرسة وامامك مستقبل مثلى. اختصرت قولها فى كلام ابيها المحافظ فى وجوب الزواج والاكتفاء على ما تحصلت به من التعليم.

ماذا أفعل لا أدرى؟ وكيف افاتح والدى فى أمر الزواج، وانا فى الصف الأول الجامعى. غيرت الموضوع قائلا: متى بدأت مشاعركى نحوى؟ فوجئت بردها بأنها منذ لحظة عودتي للقرية. حيث كان شباب كثيرون يتمنون الزواج بها، وهى عازفة عنهم. وأنها كانت تتساءل: من هذا الذى لم يحاول ان يتقرب منها يوما. وعلى حسب تعبيرها، كان هذا يضايقها ويستفزها، وهى بالأساس لم تكن فى حساباتى. أو بالأحرى لم تكن لى اى حسابات فى مسألة الحب والزواج قد بدأت بعد. كنت غرا على حد قولها، لا ألقى لها بالا، رغم أنها أهل للقربى والود. كنت امشي وناظرى فى الأرض، وهى تشتعل غيظا من هذا الأحمق الذى لا يحاول وصلا ابدا، وهى أهل للوصال.

سألت: كيف لم تشعر بحبى طيلة عام ونصف العام؟ ولماذا تجاهلتنى طيلة هذه الفترة؟ اجبتها بأنني لم أحاول أن اتقرب منها أو من غيرها، فكنت مشغولا بالدراسة.

عادت لذات اللحظة الاولى قائلة:ماذا ستفعل فى موضوعى ؟ لا وقت لى الآن، ولا قدرة مادية على الزواج، فهل لديكى القدرة أن تنتظرينى أربع سنوات؟ انتظرك بشرط أن تفاتح أبى فى الخطبة. وماذا اقول للرجل، وانا فى هذا الوضع؟ حتما سيستخف بالموضوع ويرفض لكثرة العروض التى يتلقاها يوميا، فما الذى يجعله يؤجل كل تلك السنوات لشاب غير مضمون المستقبل؟

عدت للجامعة مرة اخرى محملا بمشاعر غضى، وقلب يغلى كالمرجل، ينبض بالحب تارة، ويشتعل من الجوى تارة أخرى. وما كانت تقوله عيونها فى مرتها الاخيرة يصعب على الوصف والتعبير. لقد كانت تبوح بما لا يستطيع لسانها التعبير عنه. كانت مهذبة الحديث ولا تنطق إلا بما يليق بهذا الجمال. كانت شاعرة فى الكلام دون أن تعرف دنيا الادب أو فنون اللغة. كانت محصنة فى كل شيء يمكن أن يعيبها.

سحرتنى بكل جوانحى دون أن أدرى. كنت اتعجل الرجوع لقريتى كى أراها واتملى من عينيها الفاتنتين. حركتنى ببراءتها وعفوية مشاعرها، واستحوذت على تفكيري. عاشت معى فى دنيا الجامعة دون أن تراها يوما. مشت معى فى شوارع مدينة قنا عبر احلامي دون أن تذهب للمدينة يوما. ما هذا الذى يحدث لى؟ لا أدرى.

رجعت للقرية يوما ووجدت الوالدة تفاتحنى فى موضوعها. فاندهشت من امرى. الهذا الحد تفضحنى مشاعري، ولا أدرى؟ كانت امى تستشعر حبا يتشكل داخلى، وتأكدت من والدتها. فقد تحد،ثا سويا فى أمرنا، وعما إذا كان لدى أهلى القدرة على مفاتحة أبيها فى الزواج قبل ان يوافق على اى عرض من العروض؟ هكذا نطقت والدتها لوالدتي. فماذا أفعل؟ وماذا يفعلون اذا كان الأمر يعرفه الجميع؟ يبدو أنها حكت لوالدتها عن مشاعرها، واردات، ككل النساء أن تختبر جديتى وانا لا اعلم.

كان لا يزال الأمر حديثا نسائيا خالصا، لم يتحدث في شأنه الرجال، ولم يتحدثوا فيه من بعد أبدا. فيبدوا أن ردود والدتي العادية بأن تفكير ابنهم فى الزواج لن يكون إلا بعد انتهائه من الجامعة، وانا لم افوضها فى قول ذلك، قد جعلت والداتها تعطى الضوء الأخضر لأبيها فى امضاء أمر العريس المتقدم فى يوم وليلة. فعلى نهاية عامى الجامعى الأول انتهت كل احلامي وتحطمت.

اعتقد أنها كانت أسوأ إجازة صيفية قد مرت على. فما الذى حدث؟ لا أعرف. وكيف حدث؟ لا أدرى. ولماذا حبيبتى غاضبة منى ونافرة؟ وماذا حدث منى؟ انسحبت عنى رغم بقائها مرتبطة بى. فقد كانت تنتظرني كل ليلة، ولا تنام إلا بعد أن أمر من الشارع، فتطفيء الأنوار ثم تنام.

انسحبت منى وقبلت بعريسها على مضض. لكن للاسف اعتقدت أنى مرتبط بأخرى فى الجامعة، ولا وقت لدى فى الزواج. اعتقد انه قيل لها كلاما كثيرا حطم أحلامها نحوى، وانا بريء منه، ولم أقله. منعوها من الخروج أو فتح الشبابيك أو المضى قدما فى هذا الحب. ضيقوا عليها من كل الجهات، فقبلت الزواج مرغمة.

أما أنا فعشت أسوأ سنى حياتى بعدها. كنت كجرة الماء التى كسرت مرة واحدة. كنت أشعر بان جسدى قد تحجر فجأة، وان كل وتر فيه، وكل عضل مستقل بذاته. كانت هيئتها تتجلى فى مخيلتي كنجمة شديدة اللمعان فى ليل شديد العتمة. كانت دموعي بين نفسى احجبها عن الآخرين، حتى لا ابدى ضعفى وقلة حيلتى. كنت أحاول أن أبكى لأبعد الهم عن روحى بالدموع. لكن هيهات هيهات أن تجرى الدموع كما أريد…كنت أشعر أن هؤلاء الذين يستطيعون البكاء، هم اسعد الناس حظا. لكن السؤال الذى ظل يشغلنى: متى أخرج من هذه الغابة المظلمة؟ وكيف أخرج؟

يا الهى كيف أتعامل مع ليلة زواجها التى قربت. كنت أشعر بالخطر على نفسى من هذا اليوم، فكيف اقضى فيه ليلتى وحبيبتي فى أحضان غيرى؟ وهل استطيع ان اتحمل؟

اعتقد ان كل لحظة كانت تمر على كالجبل، وان كل لحظة أصعب من سابقتها. أه ما أصعب على الإنسان أن يشعر بأن الوقت لا يمر ، وان عقارب الساعة لا تتحرك، وان ليل الرزيقات لا ينجلى، وان صباحها ليس بأمثل منه. كنت اسمع صوت الاستعدادات للفرح وكأنها صليل السيوف فوق رأسى، وانا كحصان مذعور يفر منها على غير هدى. ما قيمة الحياة بلا حبيبة؟ وما قيمة المرء إذا لم يستطع أن يدافع عن حبه؟

قررت أن أترك القرية فى هذه الليلة واهرب مع احزاني إلى المدينة. فلملمت نفسى متواريا عن الأنظار. واستشعرت أمى بقرارى وشجعتنى عليه، وأعتقد أنها كانت تبكى فى داخلها لأجلى.

بقيت فى المدينة طيلة النهار وحتى قرب الصباح، ولم أعد منها إلا مع آخر سيارة تعود للقرية. قضيت طيلة نهارى وليلى اجلس فى اماكن مختلفة على شاطئ نيل المدينة كى اشكو له همومي واوجاعى. وطرقت كل القهاوي كى أجد الانيس فاكلمه، لكننى لم أنطق بكلمة واحدة لأحد. صليت كل الصلوات فى مساجد مختلفة وطلبت الفرج.

عدت للمنزل فى أول صباح اليوم التالى للفرح والحزن مطبق بجناحيه على نفسى، ولم أخرج منه إلا بعد اسبوع. يا الهى كيف يتحول الألم النفسى إلى ألم عضوى فى لحظة؟ اعتقد ان هذا كان حلا ربانيا لاقضى أسبوعا كاملا فى النوم، ما بين الأوجاع البدنية والنفسية.

كنت اتحرى الأيام بعدها للعودة للجامعة. وحينما فتحت أبوابها رحلت إليها كى ترحمنى من العذابات التى اعانيها. ومن حسن حظى أن كلية الآداب نقلت نفسها إلى مبنى الجامعة الجديد فى الصحراء، على حدود مدينة قنا الشرقية. كان تجديد المكان والكتب والمكتبة هم حلى الوحيد. كنت اتعمد البعد عن كتب الأدب والشعر قاصدا، كى لا تعود لى الأوجاع التى ما ذهبت أصلا. ركزت على الكتب التاريخية، وعلى كتب المذكرات والسير كى أجد السلوى بين الأحداث، وفى باطن الثورات والمعارك. بدأت اتعافى شيئا فشيئا.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
الدكتور أحمد عبد الدايم

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.