مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة 14)

الحب فى القرية.. فقبل ان اتحدث عن قصص الحب التى مررت بها فى القرية دعوتى احدثكم عن تاريخ الحب فى قريتنا الجميلة. فالحب الذى جمع عشرات الالاف من قلوب الفتيان والفتيات في الماضى وانتهى بالزواج، يعد من أجمل أنواعه على الإطلاق. وهنا لن نتحدث عن آلاف القصص الفاشلة، بل سنتحدث عن القصص الناجحة فقط، والتى ربطت الأسر ببعضها، ووثقت علاقات القربى والمودة بين العائلات. فقد جرت تفاصيل الحب القديمة تحت وطأة السلاح والنار، وفى رعاية البندقية، وفى ظل تمسك الناس بتقاليد وعادات يصعب اختراقها. ومن ثم فإن القصص التى برزت للعلن كانت قليلة يسهل تداولها، لكن تلك التى انتهت بالزواج كانت هى الأكثر انتشارا. فكانت ممارسات الحب فى قريتنا تتم حول البحر وهو نهر النيل، وفى الموردة وممرها الى النيل وعبر الشرفات وعبر مصطبات الزوايا وجلسات الطرقات يوميا، وفوق الجيل أيام الأعياد، فكانت كلها منصات رئيسية لاعلان الحب وبداية تشكله. وكان الحب فى القرية يتم فى العلن وعلى اعين الناس، فى مسيرة الفتيات للنيل للمجيئ بالمياه قبل أن تدخل إلى المنازل، لانه حب عذرى لا غرض له الا الزواج والفوز بالحبيبة طيلة العمر. فاغرب قصة سمعتها لحبيب من هذا الصنف، انه كان يحسب خطى حبيبته بالدقيقة والثانية، بدءا من خروجها من البيت متوجهه للنهر، الى عودتها للمنزل مرة اخرى، بل يحسب الخطوات التى يمشيها هو للوصول الى اماكن معينة، ليتمكن من القاء نظرة خاصة تفهمها حبيبته فقط دون مراقبة بقية الفتيات اللاتى يسرن معها. فنظرة فى الذهاب، ونظرة فى العودة، وتكرارها لمرتين او ثلاث فى اليوم، كانت تكفيه جدا، ويعيش عليها طيلة اليوم والليلة. وبالتالى اجتمع قلبيهما بالنظر، وتوثقت عرى القلوب والمشاعر بالممشى الى النهر، وانعقدت الروابط بالاشارات، فتم الزواج واثمر خيرة الشباب والفتيات.

وحكايات نساء قريتنا فى هذا الموضوع أجمل من روايات رجالها، ففيها من الرومانسية العفوية ما فيها، وفيها من حيل الطرف الأخر للايقاع بزوج المستقبل ما يستحق الوقوف عنده. تسمع فيها كيف تنصب الشباك حول احدهم بهدية لصديقة او قريبة، لتقوم بذكر سيرتها أمام صديقنا الضحية وتكثر الحديث فى جمالها ومزاياها. واحيانا تستخدم الاقمشة والخواتم هدية لهذه القريبة التى تقوم بالوصل بين الحبيبين، واحيانا يفهم الاقارب لوحدهم هذا الحب الصامت، فيسعون لتوثيق الروابط وتسهيل الزواج. واجمل ما سمعت من قصص ان أحداهن توسطت لأخرى بالزواج من قريبها، لكن الضحية كان يجب أخرى، فاكثرت من الهدايا، وبذلت من العطاء لتلك الوسيطة حتى تم لها المراد من رب العباد. ومع انه حب من طرف واحد إلا انه سرعان ما وقع فى حبها بعد الزواج، ونسى الاخرى لأنها اصبحت محرمة عليه، كون زوجته فكرت فى إبعاده عنها للأبد. وأخرى هددت حبيبها وزوجها، بسم البهائم وموتها حينما سمعت برغبته فى الزواج عليها من ثانية. وحينما قالوا لها لماذا لا تسمميه هو، فقالت هو حبيبى ولا استطيع. فيمكننى ان اكيده لكن لا استطيع ان اعيش دونه.

حكايات الحب القديمة جميلة وشيقة وجذابة. كلها عفاف ورومانسية وهوى. بنت فلان هاوية فلان، وبنت علان عايزة فلتكان. وهناك العشرات من القصص سمعتها لكن لا استطيع الحكى عنها وإبرازها، لعامل الوقت، ولأنها خرقت التقاليد وخرجت عن المعتاد والمألوف. لكنها بالقياس لما يحدث الآن تعد حبا عذريا وعفيفا. صحيح ان الحب بين الشباب الآن فى قريتنا يتم ديلفرى، وعبر التليفون والواتس والفيس بوك، وصحيح انه انتهى غالبيته بالزواج، إلا أن مساحات الحب فى القلوب لتلك الحبيبة او ذاك، والعجلة فى الامر لم يكن بطعم حب الاجداد وطريقتهم. فحبهم عاش وسط الخطر، وتربى على مهل، وكان مسموعا ومعروفا. حيث كان المحبون يقتسمون هموم الحب ومشكلاته فيما بينهم، ويتبادلون الأسرار والحكايات ويساعدون فى تمكين بعضهم البعض من الارتباط بالطرف الاخر والزواج منه. وهناك من القصص ما انتهى الى محو عداءات بين اسر، وهناك من القصص ما قربت بين عائلات ووثقت عرى المحبة والتعاون بينهم. فتاريخ الحب فى قريتنا تاريخ يصعب اختزاله فى فقرتين او ثلاث، وتجارب الحب يصعب حصرها فى لقطات قليلة، لكنها دعوة للشباب بالعودة إلى العفة والأخلاق الكريمة، ومطالبة للاهالى بتسهيل عمليات الزواج دون المبالغة فى حجم الذهب والأثاث والنظر فى مكان إقامة الافراح. فأجمل قصص الحب فى قريتى انتجتها ظروف مادية صعبة، وتوثقت أواصرها فى افراح شوارع القرية وطرقاتها، لكن الأهم فى دروسها هو ان تسهيلات الاسر فيما مضى رعت هذا الحب بطريقة شرعية، ويسرت له حاضنة الزواج. فهيا هلموا للحب ويسروا زواج الشباب، واجعلوا أفراحكم داخل القرية وليس فى المدينة وعبر النوادى. فالزواج الذى ترعاه اعين القرية هو زواج مبارك، فتلك الأعين هم شهود عند الله علي هذا الزواج، وولائم القرية هى مباركة للزواج وتطبيق للشرع، وهى حديث مستمر للقربى، ومناخ دائم لتقريب شبابنا والحفاظ عليهم، وبمثابة اعلان له وإشهار بين الناس.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
الدكتور أحمد عبد الدايم

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.