مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة 13)

ألعاب القرية وتسلياتها.. بحكم اننى عشت فى أكثر من قرية، يمكننى القول بأنه ما من قرية من قرانا الصعيدية إلا ولها العابها وتسلياتها التى تتشابه فيها مع الأخرى او تختلف عنها فى بعض النواحى. وكانت هوايتي الأهم والاكثر استمرارا هى ممارسة لعب كرة القدم. وأعتقد أن ملاعب مدرسة الرياينة الابتدائية هى التى طورت من مهاراتى فى تلك اللعبة، بدءا من الكرة الشراب انتهاء بالكرة الكقر. ففضلا عن ممارستى لها عصر كل يوم فى طريق المشروع، وهو المعروف بطريق القاهرة أسوان على ترعة اصفون. فقد كان هذا الطريق غير مرصوف ونادرا ما تمر به سيارات، لذا كان هو متنفسنا فى ممارسة هوايتنا بعد المدرسة. وحينما عدت لقريتى الأم مارست اللعبة فى أكثر من فريق، مع فريق الغربيين والشرقيين وفريق السكة الحديد أحيانا. وتنافسنا كثيرا مع فرق الرشايدة والجروف والشخايرة. فضلا عن ذهابنا للعب مع فرق خارج قريتنا فى دورات منتظمة او فى لقاءات ودية تنافسية، كفرق المحاميد بحرى وقبلى والدهامشة والغريرة والديمقراط والرباينة. ولعبنا فى ملاعب شركة السكر فى المنشر مع فرق أرمنت الوابورات وذهبنا للفتاتيح فى الشرق وجزيرة أرمنت الحيط إلى غير ذلك من فرق. وتأثرت كثيرا بنجوم قريتى أمثال يوسف وخالد بغدادى ويوسف سلطان وعبدالرافع وخالد النجار وعماد أبوبكر واحمد ابوالعوجة ومحمد على السمان وعبداللاهى ابويوسف وحسن عبدالله وأحمد عبدالرحمن وعادل صديق وخيرى وخالد ابوشريفة واحمد ابراهيم وماهر ابوالسايح واحمد ابوعربى والسيد عبدالعاطى والمرحوم الدكتور محمد محروس ابوعلى وابوحمادة وحجاج ابوالغريب وحجاج بصرى وحجاج ابوكامل وغيرهم الكثير والكثير مما لا يمكن حصرهم هنا أو عدهم وممن لا يقلون اى مهارة عن نجوم الصف الاول فى الدورى الممتاز لو اتيحت لهم الفرصة.

أيضا كنت احب السباحة، ومارستها فى الرياينة مرارا وتكرارا . لأنها كانت رياضتى الأولى، بحكم أننى مصاحب لابى دوما على حاجز ترعة اصفون. فكان طبيعيا أن أجيد السباحة جيدا لاسلم من الغرق على حد قوله. ناهيك عن أننى عديت النيل للجهة الاخرى أكثر من مرة. بل كنا نقسم انفسنا فرقا وجماعات على شط النيل، كل محموعة تلقى بالأخرى داخل النيل فى استعراض للقوة والبأس.

لقد مارسنا العابا كثيرة اخرى، كالضمنة والشطرنج ولعبة الضاح والبلى وسباق العجلات وعسكر وحرامية والاستغماية والنصوبة والشباط والرسغ، واستمعنا بالمسرحيات خفيفة الظل التى كان يرتجلها أبناء الشارع الغربى أمثال عبدالحي احمد حسن وشقيقه محمود وعبدالدايم ابوالروس وحجاج ابوالصادق وحجاج ابوالغريب ويوسف ابوسندق وغيرهم، ممن امتعونا تمثيلا وغناء وتسلية. لكن هناك من الألعاب ما لا يمكن نسيانها واشهرها اربع:

الاولى، لعبة التحطيب. او ما يسمى عندنا فى القرية لعبة السوه. حيث كانت حلقات التحطيب تتم فى مناسبات القرية وافراحها، وعلى مستوى اوسع فى موالد ارمنت المنتظمة فى أهم ساحاتها، أمام المسجد العتيق بارمنت الوابورات. وكنت اتابعها جيدا عندنا فى افراح القرية ومناسباتها، وكنت اتمنى ان اكون احد نجومها مثل حجاج ابوالهواش او عطا ابوقمبر او محمد ابوكامل او حسين ابو مامون او ابواللحمدى أو يوسف عبدالعال او عبده ابومحمدين وغيرهم، أو الشباب أمثال خالد ابوشريفة والمرحوم مغاورى وغيرهم. ففى اى فرح من افراح القرية، يبدأ الامر حينما يعلن احدهم عن رفع العصاية من بعد العصر. وكان يستمر هذا العراك الحميد حتى المغرب. ولمدة أسبوع أو اثنين، حسب طول الفرح او قصره، كان يتم رفع العصاية من العصر وحتى المغرب،ويجتمع المحطبين من كل نواحي القرية والقرى المجاورة، من المشاركين فى الفرح. وكل فرد يدخل هذه المبارزات فى عزيمة واصرار وتحدى وخفة حركة واستعراض للعضلات لحد الختل والمباهاه. وبمجرد ان يقول أحدهم سوه، يعنى انه يعلن البدأ فى التحدى، فيخرج له احدهم ،ثم يلفان ثلاث أو اربع لفات، وبعد ذلك يلتحمان مباشرة ضربات متلاحقة وحركات استعراضية من اعلى وجه الخصم ومن شتى جوانبه. وعندما يجد الحاضرون أن أحد اللاعبين قد فتح أكثر من باب، وأنه قد أرهق بعض الشيء يدخل لاعب آخر الحلبة ويقول سو، وتعنى هات العصا ويستمر المنتصر داخل الحلبة. وهكذا يستمر النزال محتدما، حتى تبدأ الحفلة الرئيسية بعد العشاء، سواء أكانت بالرباب والمزمار، أو من خلال عرس ابوداود.

واذكر اننى حاولت كثيرا ان اتعلم هذه اللعبة، لكن طابع السرعة والتداخل السريع الذى كان يجرى داخل الحلبة لم يجعلنى اغامر إلا مرة أو مرتين مع بعض المحدثين من امثالى. وكان لا يمكن لى مجاراة المحترفين فيها لمجرد معرفتى ببعض قواعدها وتحركاتها، فكان على الفرد ان يتعلم مهاراتها وثغراتها قبل الاقدام على الحلبة ونزول الساحة. خاصة وأن بعض المحترفين يكون كل تفكيرهم اثناء الحركات الاستعراضية التى يقومون بها هو فتح الباب مباشرة مع المبتدأين فيها واخراجه مباشرة من اول جولة، لأنه ينتظر منازلة أشخاص بعينهم، ولا طاقة له فى المضى قدما مع الهواة. اما إذا تقابل هو نفسه مع لاعب محترف مثله، سنجد أنه قد توافق فى اللعب معه من أول ضربة، بما يدلل على القدرة الفردية والاحترام الشديدين، وكنوع من الثقة فى النفس والخبرة. وكان شباب العائلة الكبار يعلمونا فى دبة الجامع العتيق بعضا من طرق لعب السوه هذا، سواء كانت دفاعية أو هجومية. وبالفعل تحسنت كثيرا فى طريقة إمساك العصا الثقيلة، كالشومة، والمتوسطة من الخيزران. فضلا عن تحسنى فى طرق الاشتباك والصد، حيث حققت طفرات كبيرة جدا. أما فى الحيل التى كانت تستهويني كثيرا، فكنت اركز عليها واتدرب عليها مع نفسى والى الان يمكننى ان اصد عشرات الضربات حتى لو وجهت لى بسرعة، وأحيانا كان أبى يقوم بتدريبى عليها بحكم انه مر بها ويعرف كثير من حيلها. لكن نجاحاتى فيها اقتصرت على التمرين فقط، فقد كنت أخشى من المواجهات فى ساحات الأفراح، اللهم إلا مرة أو مرتين، وانتصرت فى التمرينات كثيرا نتيجة حبى للعبة وتعلقى بها.

ومع ان العنف كان غير متبع داخل حلقة التحطيب، وان الطابع الاستعراضى كان هو الغالب فى أفراح القرية واعراسها، إلا اننى لم اتغلب على تخوفاتى من المواجهات المباشرة مع اى محترف من المحترفين ابدا، وكنت اعتقد انه لو احرجنى أحد أمام الناس فسوف أصوب له الشومة فى راسة مباشرة، وليكن ما يكون. واعتقد ان سبب تاخرى فى ممارسة هذه اللعبة فى المواجهات الحية هو قلة تدريبى عليها ومعيشتى خارج قريتى الام. فعلى الاقل كان شباب العائلة يعلمونا طرق الدفاع عن انفسنا، حتى لا يتعرض احدنا لضربة تدميه او تكسره، فيسبب الاذى وتحدث المواجهة مع الخصوم من العائلات الاخرى، او حتى مع نفس بيوت العائلة نفسها.

الثانية،لعبة الطاب. وكنت أخشى أحكامها العنيفة والغلو الكبير الذى يحدث خلال تنفيذ الأحكام. لكن كأى شاب كان لا يمكننى الا ممارساتها، خشية إلا يفسر هذا تفسيرا خاطئا. فلعبة الطاب هى من العاب الشباب ولا يمارسها الصغار. وتعتمد على المهارة واللياقة والحظ. حيث تقام اللعبة بين فريقين، وغالباً يتكون كل فريق من أربع لاعبين، وتعتمد على أربع شرائح من جريد النخيل، كل شريحة لها جهة خضراء، وجهة بيضاء، وعلى عود رئيسى من الجريد ينصب فى منتصف الدائرة البشرية الحاضرة للعبة، مهمتة ان ترمى عليه تلك الشرائح، وكذا يتم به تنفيذ العقوبات باستخدام هذا العود كوسيلة للضرب. ويقوم اللاعب برمي الشرائح على الأرض، فإذا جاءت الألوان الأربعة بيضاء، فياخذ البيضاء ويصبح اللاعب منفذا للاحكام. اما اذا جاءت الألوان الاربعة خضراء، فتكون معه خضرة فيقوم بدور القاضى، فيطلق الاحكام. اما اذا جاءت الألوان قطعتين خضراء وقطعتين بيضاء، تصبح وتنين، فيتحمل الأحكام مهما كانت قسوتها وغلوها. واذا جاءت الألوان قطعة خضراء وثلاثة بيضاء، فتصبح وتلات، فيفلت من العقاب. أما اذا جاءت الألوان قطعة بيضاء وثلاث قطع خضراء فيحصل على طاب، فتحسب له بولد فيقوم اللاعب برمى الشرائح مرة أخرى ليجرب حظه ثاتية. واللاعب الذى لا يحصل على الطاب لا يدخل اللعبة. وكانت هذه اللعبة تنصب فى الشارع الغربى امام بيت ابوسندق، فى أغلب فترات النهار، خصوصا فى الظهيرة، فلا تسمع بعدها الا صياحا وبكاء وعويلا. نتيجة الأحكام التى يطلقها أصحاب القلوب غير الرحيمة أمثال ابراهيم وحسن المطعنى، وإبراهيم ابوسندق وغيرهم ممن اذاقوا غالبية الشباب أحكاما تفوق قدرتهم على التحمل. فقد كان أحدهم يطلق حكما يتجاوز الخمسين ضربة، فيجارية الآخر ويزيد عليه للمائة وتبدا بعدها الزيادات والمماطلات، وتنتهى الجلسة بورم فى الأرجل وصعوبات فى المشى وهزار وقفشات على ضحايا هؤلاء الظلمة .

الثالثة، لعبة الحجلة. فكانت فى القرية عندنا للنساء أكثر منها للرجال، مع اننى رأيتها فى قرى أخرى يؤديها الرجال مع اجراء بعض تعديلات عليها. فقد كانت بالنسبة للبنات عبارة عن مربعات مخطوطة على الأرض يتنافسن فى الوصول إلى نهايتها بخفة حركة وقدم واحدة والاخرى معلقة. أما فى القرى الأخرى، فكان يقوم الشباب بالجرى بساق واحدة، اليمنى غالبا، مع رفع الساق الأخرى وامساكها من الخلف بيده اليمنى. وكانوا يلعبونها بعدة طرق، منها سباق السرعة والقفز والتدافع.

الرابعة،لعبة السيجة. فقد مارست هذه اللعبة كأى قروى يرى انتشارها فى تجمعات مختلفة عبر شوارع القرية لكننى لم استشعرها او اجد نفسى فيها. وكانت هذه اللعبة مميزة لكبار السن فى القرية، وهي لعبة رجالية غير مكلفة تعكس في مجرياتها ما يتمتع به الرجال من صبر وهدوء وحسن تخطيط وحنكة. وكانت ممارستها تتم في الهواء الطلق وتحت الأشجار وامام المنادر ومساطب البيوت. واعتقد ان اسمها جاء من السياج الترابى المنصوب حولها وداخلها، كونها تسيج بأربعة حدود ترابية، وداخل هذه الخطوط توجد مربعات محفورة يتوزعها حجارة تسمى بالكلاب. وكان لكل فريق كلابه داخل المربعات، وهى تختلف في لونها عن حجارة الفريق الآخر. وتبدأ اللعبة بالتنافس بين كلاب كل فريق، إذ يتم تحريك الكلب الواحد على مساحة السيجة بخطوات ذكية ومحسوبة. بل يحرص كل فريق على أن لا يقتل كلبه بيده او عبر تحركات الكلاب الاخرى. ولعبة السيجة يمكن تشبيهها إلى حد ما بلعبة الشطرنج مع الفارق، وخصوصا أنها قد تستمر لساعات طويلة، ويكون لكل فريق مشجعون كثر حولها. واذكر أن حسن عبدالله، الشهير بعويث، كان الوحيد من بيننا كشباب قد استطاع أن يشارك الكبار ويجاريهم بل ويهزمهم فيها. حيث كانت تحركاته وتتقلاته بتلك الكلاب سريعة وجريئة، وفيها من الحرفية ما جعل المحترفون لتلك اللعبة يقرون بمهارته وحرفيته. وأعتقد أن حسن عبدالله لم يدخل اى لعبة إلا وتفوق فيها، سواء كرة قدم او ضمنة او كوتشينة أو حتى الطاب الذى كان رحيما فى أحكامه فيها.

وهناك العاب اخرى لا يتسع المجال لذكرها، وبعضها اندثر وصار فى طى النسيان. لكن الطريف على هامش الالعاب الليلية التى كانت تمتد احيانا حتى قرب الفجر، كنا ناكل ونشرب، وكل ياتى بما يجود به من منزلهم. وكان اولاد خالى الحج ابوعادلى حسين وحسن، وابن عمى محمد مامون كرماء فى تلك الليالى. وحينما تتازم الامور كنا نلجا لحجاج ابوالغريب فياتى بمغرفة من بيتهم ليغرف لنا من فول بيت ابوسندق الموجود فى الشارع. والغريب اننا كنا نعترف فى الصباح لصاحبة الفول، زوجة السيد ابوسندق، فتضحك وتبتهج وكأن شيئا لم يحدث. بل تستغل هذا الامر فتطلب من الاولاد ان يحضروا لها حزمات من قش القصب لنسهر علي نيرانه ونتدفأ بها ونكرر العابنا. ما اجملها من ايام وما احلاهم من بشر .

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
الدكتور أحمد عبد الدايم

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.