مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة التاسعة)

ذهنيات قروية وخرافات، اعتقد أننى منذ صغرى لم أكن أقبل بكل ما يجرى فى قرانا أو أسلم بمصداقيته.

ولما كبرت شيئا فشيئا كنت أحاول فهم هذا المجتمع الذى أعيش فيه وأرقب ما يحدث فيه لأتعلم واتعايش، وكأننى كنت أرصد تاريخًا خاصًا وجهويًا أكثر من اهتمامى أحيانا برصد علاقة هذا التاريخ بتاريخنا المصرى العام.

أعتقد أن عقلية المؤرخ قد تشكلت عندى بالتجربة مبكرا قبل التعلم.

فبالتجربة كنت مؤمنا بأنه لفهم قريتى القديمة والجديدة أن اتجنب ما يعلنه مجتمعها عن نفسه أو يرويه اهلها من حكايات وقصص.

حيث يمكن توصيف ما كان يحدث فى هذا المجتمع القروى حينها، سواء فى قريتى الأم أو قريتى المنتقل لها، بعالم الفانتازيا أحيانا وبعالم الخرافات أحيانا أخرى وأحيانا بعالم المثل.

فرغم أن تقاليد الشهامة والرجولة والترابط والتكافل والتدين كانت هى الأساس، إلا أنك حينما ترى بعض الناس يعتقدون فى متصوفة يضعون السيوف على أجسادهم، ويمرون على بعضهم البعض فوق هذه السيوف، ويضعون المسلات فى خد لتخرج من الخد الآخر، فى خدع يعرفها المتعلمون ويجهلها الناس العاديون، ويصدقوا هؤلاء الدراويش المنتفعين فى احجياتهم الخيالية، فهذا يشى بأن هناك دينًا شعبيًا اخترعه بعض العامة لأنفسهم واقنعوا الناس به.

هذا ناهيك عن اعتقاد بعض النساء فى الأحجبة والخرز وجلسات الزار والمشعوذين، وأنهن فى امكانهن إدخال حب فلان لفلانة، وطلاق فلان من فلانة بمكتوب يرمى فى نهر أو يلقى فى قبر أو تذهب به الريح إلى حيث تشاء.

ومن أغرب ما رأيت فى هذا السياق، هو أننى شاهدت امرأة مرمغت نفسها فى رمل الجبل مرات عدة، ودحرجت نفسها سبع مرات لفك ما يسمى بعملية المشاهرة.

حيث تعتقد بعض النساء بأن سبب تأخير حملها عن ولادتها الأولى أو الثانية هو أن أخرى غير حامل دخلت عليها دون موعد خلال شهر الولادة ففكت مشاهرتها هى، وادخلتها هى نفسها فى عملية المشاهرة، وحتى تنهى تلك المشاهرة وجب عليها مرمغة نفسها بأرض الجبل الطاهرة.

ناهيك عن أخرى تأكل الطمى لذات السبب.

وهى أمور أعتقد أنها اختفت الآن تمامًا، بعدما تعرف الناس وتعلم ابناؤهم ووعوا.

والحمد لله لأن والدي ووالدتي لم يكونا يومًا ضمن هذا الفريق الذى يؤمن بتلك الخزعبلات.

ومن الأمور الغريبة التى رأيتها أيضا ما يسمى بالبسلة.

وكانت تتم بإحضار خمر من بقايا عجين وأشياء أخرى ووضعها فى ماء، ثم يرش به الشخص المصاب بالحصبة بعد خروج الناس من صلاة الجمعة، فى منظر يدهش العقول ويحيرها.

مع أن المشافى كانت قائمة ويذهب إليها البعص للعلاج من تلك الأمراض.

ومع أن هناك علاجًا شعبيًا مجربًا، كعلاج لدغة العقرب والثعبان وبعض أمراض الحلق والمعدة والكسور، إلا أن الطب الشعبي المنتشر فى قرانا حينها كان أقرب للسحر والشعوذة.

وأغرب ما يمكن للمرء مشاهدته فى تلك الأرياف هو علاج الشخص الملبوس بجني بالعصا.

فقد كان يتم ضرب الشخص بعنف حتى يخرج شيطانه منه، ويعلن هذا الجن للحاضرين بأنه خرج ولم يعد.

وحينما كنت أرى هذه المناظر كنت أعتقد بأن العمائم التى كانت تقوم بتلك الأعمال ليسوا شيوخا، ولا يعرفون شيئا عن الدين والعلم، وإنما يسعون لصون قداسة أعمالهم والتكسب من ورائها.

كنت اعتقد أنه يمكن لتلك الأشياء أن تصان وتعالج بالعلم، وليس بعكسه.

ولما كان الناس لا يملكون كتبا أو فقها أو إعلاما يشارك فى عملية التوعية، فقد تضافر هؤلاء المشعوذين مع العادات والتقاليد العلاجية السيئة فى السيطرة على ذهنيات القرويين وتثبيت أراجيزهم.

أعتقد أن أشكال الحياة اليومية كانت تحمل ذاكرة اجتماعية فوضوية أحيانا تخلط بين الموروث الشعبي والشعوذة.

فالمزارع المغمور فى القرية، والذى يقضى ساعات طويلة فى أرضه وبين حيواناته كان يحتاج إلى تسلية، وكانت البيئة التى وفرتها حلقات المتصوفة وقصص الجنى الذى يخرج من جسم أحدهم بقدرة هذا المشعوذ أو ذاك، قد جعلت كثير من القرويبن لا يسعون أبدًا لتطوير حياتهم، أو حتى الشك فى تلك المسليات المسيطرة على عقولهم ومن ثم رفصها.

أعتقد أن البعد الاجتماعى لوظيفة هذا المشعوذ أو ذاك، قد تعدت مسألة التسليم بها أو الإيمان بمفرداتها، فالانبساط الحادث من جراء التسلية بأن المشعوذ إنما هو شافٍ للأمراض كان نوعًا من التواصل الاجتماعى مع هذا الفلكلور الجارى أمامهم، وليس أيمانًا تامًا به.

بدليل أنهم حين عرفوا كثير من الحقائق فيما بعد، لفظوه وكفروا به.

كانوا فى السابق يخيفوننا من أمنا الغولة والعفريت أو ما يسمونه عندنا بالصن.

وأنا طفل لم أرى العفريت فى حياتى، لكنى سمعت صوته وأنا نائم بجوار حاجز كوبرى جانبية الرياينة.

وحينما كبرت وعدت لقريتى الأم، قررت أن ادخل فى عراك معه إذا قابلنى فى الطريق ليغلبنى أو أغلبه، ولم يحدث.

يبدو إنهم أخافونا لكى لا نسهر خارج البيت طويلا، فقررت أن أواجه هذا العفريت إذا منعنى من السهر بصحبة أصدقائي.

بل بالعكس اعتقدت بأن هذا العفريت جبانًا لأنه لم يجرب نفسه معى ولو لليلة واحدة ليخرج معترضًا طريقى.

حيث كنت فى البداية فى عداد الأفندية، أخرج أعزلًا.

فلما قصوا حكاية هذا العفريت الذى يعترض الطريق، قررت أن اصطحب معى شومة كل ليلة استعدادًا لتلك المواجهة التى لم تحدث.

كانوا في السابق يقولون لنا أن التوأم يتحول بالليل الى قطط، ليأكل اللحمة والطعام الموجود فى شعلاقة المنزل (الثلاجة القروية سابقًا)، وكنت انتظر أخوالي يوميًا، البسوس التوأم، لكى أراهما فى صورة القطط فقط، وبالطبع ظللت سنينا طويلة ولم يتحقق الحلم.

مع أننى كنت أسمع أن التوأم يتحول إلى قطط لما حد يكون عامل سمك أو فطير، وسمعت بأن أحدهم ضربته الخالة سالمة بالمحساس ولا يزال معلمًا فى جسده حتى الآن.

وهناك الكثير والمثير حول تلك الأمور التى يمكن أن تقال حول تلك المسائل لكننى لن استطرد فيها حتى لا أكون مملا.

لكن ما كان يعجبنى فى فترة الطفولة انه حينما كنا نلعب جماعات، كان يوجد بيننا طفل يكبرنا ببضعة أشهر، وكان هذا الطفل يدعونا دوما إلى الضحك الكدب وأن هذا الضحك المزيف يجيب الضحك الحقيقى، فيهتف ياللا نضحك بالكدب ليأتى لنا الضحك من أعماق قلوبنا.

وبالفعل تصدق نبوءة هذا الطفل، فسرعان ما نبدأ فى وصلة من الضحك المصطنع، لنبدأ بعدها وصلات من الضحك الحقيقى والمتواصل، بشكل كان يدهشنا.

اعرف أننا الآن لا نستطيع أن نفعل ذلك.

فالعيون فى غالبيتها قد اكتحلت بالمآسى، وتجمدت دموعها فى المآقى، وباتت وصلاتنا تجهش بالبكاء، وبتنا نأكل من الأحزان ونقتات من الهموم.

لكن السؤال الذى يطرح نفسه:

هل يمكننا أن نلعب لعبة الطفولة على مستوى أكبر؟

بمعنى هل يمكننا ان نضحك بالكذب ليأتى لنا الضحك من القلب؟

أم أن أحوالنا الاقتصادية وهمومنا الاجتماعية قد تغلبت على حيلنا السابقة فى مقارعة الحياة ومنازلتها؟

تفاءلوا بالخير تجدوه، وبشروا ولا تنفروا.

أعتقد أن العادات المرتبطة بالموت هى أساس من أساسيات التماسك الاجتماعى فى القرى.

فقد حضرنا ونحن صغار بقاء المنادر والزوايا مفتوحة لمدة خمسة عشر يوما، وهى تمليء وتفرغ من المعزين من كل القرى والنجوع المجاورة يسمعون القرآن والخطب ومآثر الميت.

وحينما كنا نعترض كأطفال على البقاء مرابطين حول تلك الزوايا طيلة هذه المدة، لأننا نحرم كأطفال من اللهو واللعب، كان الأهل يجيبونا بأنهم كانوا يظلون أربعين يومًا فى تلك المناسبات من قبل.

والحمد لله أنها قللت لأسبوع ثم لثلاثة أيام فيما بعد، لأن أطفال هذه الأيام لا يتحملون البعد عن وسائل التواصل الاجتماعى أكثر من تلك المدة، وكانوا فضحوا الدنيا.

كانت تلك المناسبات تجمع الأقارب وأهالى القرية جميعا، وكأنهم أخوة أشقاء.

يبكون للميت قبل المصابين بفقده، ويتشاركون الطعام فى صوانى منتظمة تخرج ثلاث مرات فى اليوم، الإفطار والغداء والعشاء، وجبتان من اللحوم (الغداء والعشاء)، أما الإفطار فكان لبنًا وشايًا وفايشًا.

وكانت صوانى الطعام مرتبطة بالمركز الاجتماعى للشخص داخل العائلة أحيانًا، وكان الأغنياء والطبقة المتوسطة يستأثرون بذلك.

وحين زادت نسبة تعليم النساء ارتبط الأمر بالزوجة ومدى رقيها فى تقديم الطعام.

وكانت صوانى عائلة الرشايدة من أشهر الصوانى فى القرية، لشهرة نسائها فى هندسة الطعام وحسن ترتيبه وتوزيعه على المائدة.

أما نحن المواضى فكان أهالينا يهتمون بالإكثار من اللحوم والمباهاة بذلك.

أما اليوم فالأمر مرتبط بالزوجة نفسها ومدى تطورها وهندستها للطعام المقدم على مائدة زوجها، فإذا كانت جيدة أشادوا بالزوجة، وإذا كانت غير ذلك اعتبروها خايبة وتهامسوا عليها، كنوع من الدعابة وفك الكآبة والحزن المتدافع طيلة اليوم.

فى تلك المناسبات كان ممنوعًا على منازل الأقارب والأهل أن تطبخ أنواعًا معينة من الطعام، كالفطير أو محشى الكرنب، ولا يفتحون التلفاز، فضلا عن تأجيل أى فرح أو خطبة لأجل غير مسمى، حتى لا يفسر خاطئا من قبل بنات الميت واقربائه من النساء.

وكان أهل القرية جميعا يتشاركون فى هذا الأمر.

ويمكن القول بأن واجبات العزاء فى الصعيد تلخص مكانة العائلة والبيت والأسرة وعمر الميت، شابا أو طاعنا فى السن.

فكانت الناس، وما زالت، تأتيها من كل القرى والنجوع المجاورة، وأحيانا من المحافظات المجاورة.

وكانت مهمة الصغار صعبة وشاقة خلال تلك المناسبات، فكانوا وسيلة المراسلة بين منزل الميت وأهله فى المندرة، وكانوا يقومون بعمل الشاى وتجهيز المكان يوميا، فضلا عن رص بطاطين المندرة وترتيب أثاثها كل صباح.

وكانوا يقومون بقيد حمير القادمين للواجب على ناحية المندرة وشوارعها الجانبية.

فكانت توضع حبال طويلة يتم ربط كل حمار فى جزء منها، حتى يتم صاحبه واجب العزاء، وكانت عملية الإحلال والتبديل لا تنتهى لهؤلاء الأطفال.

ومن طرائف ما كان يقال فى تلك المناسبات أن أحد الكبار حينما يرى فوجًا من المعزين، يأمر الأطفال الجالسين أمام المندرة بربط تلك الحمير قائلا: قوموا قابلوا الحمير اللى جاية.

فكنت أضحك فى نفسى على  هذا القائل لهذه الجملة أمام كل فوج، فهل لا يستحى منهم خشية أن يتصوروا أنهم هم الحمير الذين تتم مقابلتهم؟

وكنت أهرب لجدتى كثيرًا خلال تلك المناسبات، وأحيانا كنت أفك رباط أحد هذه الحمير لأقوم بجولة به عبر أنحاء القرية خصوصا فى الصباح.

لأن أصحاب هذه الحمير القادمين فى هذا التوقيت يظلون فى الواجب حتى الظهيرة.

أما من كان يفعل ذلك منا فى وقت العصر وما بعد المغرب، فكان يلقى عقابًا كبيرًا لأن الواجبات تكون مكتظة فى ذلك الوقت، وكان أصحاب هذه الحمير لا يأخذون وقتهم الكافى لأن المندرة امتلأت عن آخرها، ووجب عليهم الخروج تيسيرًا على القادمين الجدد.

وإذا كانت منادر الرجال كذلك، إلا أننى كنت أشعر بأن هناك عنصرية شديدة، بحكم مرافقتى لجدتى، فى محاصر النساء، جمع محصر، وهو واجب عزاء النساء.

فكان الطعام المقدم لهن يخلو من اللحوم، وكله أكل عادى من بيض وجبن وخلافه، لكن لا يقدمن اللحم لبعضهن البعض أبدا، رغم انتظام إرسال صوانى لهن طيلة فترة الواجب التى قد تطول عن الرجال أيامًا أخرى.

وأعتقد أن هذه العنصرية من خلقهن أنفسهن، وليست من صنع الرجال.

فقد كان حزن النساء يختلف تمامًا عن حزن الرجال، فقد كانت الواحدة أحيانا تحسى بالطين على نفسها وتشق الجيوب وتلطم الخدود وتقص الشعر، فما بالك لو أكلت لحومًا على فقيدها إذا كان ابنًا أو أبًا أو زوجًا أو أخًا أو أمًا.

وكانت كل نائحة تشارك الأخرى فى مصيبتها، وتتذكر فواجعها السابقة.

وإذا كانت واجبات الرجال فيها من الصرامة ما فيها، فإن محاصر النساء فيها من النواح والبكاء ما يصعب على المارة سماعه.

وكان عديدهن شعرًا وأدبًا خالصًا.

وكان العديد الذى يقال على الزوج مختلفًا عن الابن عن الأب والأخ.

فعلى سبيل المثال حينما تقول المعددة:

ياريتهم كانوا فى الشام واليمن…بدلا ما نشوفهم فى طية الكفن

ياريتهم كانوا فى الشام ولبنان…بدلا ما نشوفهم فى طية الأكفان

فهذا يعنى أن المتوفى غالبا ما يكون أخا أو ابنا.

وحينما تقول:

داخلة والباب خد وشى….. فين الحبيبة اللى تقول خشى.

داخلة والباب خد راسي… فين الحبيبة اللى تقول طاطى.

فهذا يعنى أن المتوفى غالبًا ما يكون زوجا.

أعتقد ان أشعار العديد والحزن عندنا فى غاية الخطورة.

فهى تبكى من تريد ومن لا تريد.

فحينما تنطلق نوبة العديد، كانت كل حافظة لتلك الأشعار تأخذ الخيط من الأخرى لتبدأ وصلة نواح وبكاء أشد من سابقتها.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة
الدكتور أحمد عبد الدايم

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الوسوم

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.