مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة الثامنة)

إذا كنت قد تحدثت من قبل عن شعور الحرمان الذى تغلب على خلال الفترة الأولى من انتقالنا للقرية الجديدة التى يعمل فيها أبى، فإن هذا الحرمان سرعان ما انتهى بأصدقاء وأخوة، كونتهم ما بين المدرسة الابتدائية وكتاب الشيخ ملك.

فبفضلهم سرعان ما نسيت كتاب الشيخ النوبي والشيخ أنور ومدرسة الرزيقات قبلى، ودخلت فى إطار مؤسسات جديدة وعلاقات لا تقل عن سابقتها جدية وقوة.

ولما كان الغريب فى مجتمعاتنا الريفية مكرمًا، فقد أكرمنى أستاذتي الجدد كرمًا ما بعده كرم، بدءًا من أول أستاذ تعاملت معه، وهو الأستاذ سلطان الدردير أحد أبطال أكتوبر، والأستاذ محمود الغول، انتهاء بالأستاذ محمد بصرى والأستاذ سيد يونس والأستاذ محمود فتوح وغيرهم الكثير.

فقد أثروا حياتنا علمًا ومعرفة وخلقا.

هذا وقد تعرفت على أصدقاء كثر لا أستطيع حصرهم هنا، خوفا أن انسى أحدًا منهم فيأخذ على خاطره منى.

حيث كانوا تشكيلة من كل عائلات الرياينة من أولاد يونس والخلايفة والشرايدة والعجايبة والنبابتة والعطاطوة والهلايل والمسيحيين.

لكن هذا لا يمنع من ذكر أبرزهم، أحمد يونس وهوارى أبو مدين ومحمد سلامة وعبدالرؤف النوبى وممدوح فتوح وأحمد حسنى ومحمد عبداللطيف وعبدالرؤف مرسى وعبدالراضى خليفة ومحمد حراجى وسيد كامل وأسامة خورشيد وعمر خورشيد وعبدالهادى سعيد واحمد سعيد واسحق ومحمود سليمان وعز احمد اسماعيل وخالد عبدالرزاق الامير وعامر وغيرهم الكثير والكثير.

فهؤلاء كانوا اخوتي وعشت بينهم كأخ لهم، تزاملنا فى رحلتنا الدراسية فى كل فتراتنا الدراسية، خصوصا الابتدائية والاعدادية ولم نفترق عن بعضنا البعض إلا فى الثانوية العامة.

حيث ذهب بعضنا للثانوية العامة وآخرين للثانوية الصناعية والتجارية والمعلمين.

المهم أنه فى قريتنا الجديدة عشت بين أهلى مدللا.. كل طلباتى مجابة وكل ما أريده من محلات الرياينة المنتشرة يلبى فورا، حيث كانت الرياينة أقرب إلى المدينة منها إلى القرية ففيها سوق السبتية باتساعه الكبير، وفيها محلات للملابس والأحذية من كل شكل ولون، وهو أمر مختلف عن قريتنا الأم تمامًا.

فحينما كنا نريد مثل هذه الأشياء ونحن فى الرزيقات نذهب إلى المدينة، أرمنت الوابورات.

هذا فضلًا عن انتشار الخياطين والحلاقين فى كل شارع من شوارع الرياينة، وقد كان لا يوجد عندنا فى الرزيقات مثل ذلك.

أعتقد أن وجود أقباط فى الرياينة أعطاها ميزات إضافية فى تلك النواحى الحرفية والخدمية.

أما قريتنا الأم فقد كان لا يوجد بها إلا منزلين فقط لمسيحيبن، فالأقباط عندنا كانوا يسكنون على هامش الرزيقات فى نجع يسمى حاضور.

وبالتالى لم أتعرف على شكل الكنيسة فى حياتى إلا عندما ذهبت إلى الرياينة.

وأذكر فى إحدى المرات أننا تناوشنا مع زملائنا الأقباط داخل حوش المدرسة على خلفية أحداث الزاوية الحمراء بالقاهرة.

ومع اننا لم نعرف طبيعة الأحداث ولما حدثت، ولا أين تقع هذه الزاوية الحمراء داخل القاهرة؟

إلا أن أحداثها كان لها أثر كبير فى كل المدارس.

فالتلاميذ المسلمين احتكوا بالتلاميذ المسيحين فجأة، وبدون مقدمات، وعلى خلفية نجهلها ولا نعرف مصدرها.

فبرزت من يومها تساؤلات عديدة عن الدين الإسلامى والمسيحي وما علاقة اتباع كل دين بالآخرين؟

ورغم أن الأحداث لم تظل إلا ليوم واحد ولم تدم أكثر من فترة الفسحة إلا أن حواراتها ظلت مستمرة معنا لفترة طويلة.

وإلى الآن لم أتوصل إلى الآلية التى جعلت أحداثًا فى القاهرة تؤثر على قرية نائية فى أقصى الصعيد، وهل السلطة فقط هى المركزية أم أننا كشعب مركزيون بالفطرة.

وإن الدين هو أكثر المحركات المركزية التى يمكنها أن تقلب البلد رأسا على عقب فى لحظة؟

المستعمرةوفى الرياينة تعرفت لأول مرة على طبيعة المجالس النيابية المصرية وكيفية عضويتها، فقد كان العمدة حسني أمين سليم، عمدة الرياينة السابق، عضوا بمجلس الأمة دورة عام 1964، فرأيت له صورًا وهو يصافح الرئيس جمال عبد الناصر.

وكنت أتساءل ما هو مجلس الأمة؟ وما المناسبة التى جمعت بين رئيس الجمهورية عبدالناصر والعمدة حسنى؟

كنت أعتقد أن هناك علاقة خاصة بين الرجلين، وأنهما قريبى الشبه من بعصهما، بل يمكن القول بأنه لأول مرة تستشعر أن رجلًا ينافس عبدالناصر فى الكاريزما والهيئة كالنائب حسنى أمين سليم.

وأعتقد أن أخيه المهندس منتصر أمين سليم لو رزق هيئة تشبه مواصفات أخيه لما خرج كرسي البرلمان من هذه العائلة العريقة أبدًا.

حيث كان رجلا جهمًا يفوق عبدالناصر نفسه طولًا وعرضًا.

وليعذرنى المهندس منتصر فيما ذكرت كونه يعلم محبتى له وما أرمي إليه.

وأعتقد أن هذه الاسرة التى ورثت العمدة أمين سليم أحمد، رحمه الله، والذي تولى عمودية الرياينة منذ سنة 1920 وحتى وفاته سنة 1955 لا تحظى باحترام أهل الرياينة فقط بل فى كل أنحاء أرمنت.

وكان كثير من أبناء النبابتة عائلة العمدة اصدقائي فى المدرسة، فضلا عن وجود عدد من أحفاد العمدة امين سليم نفسه وأبرزهم احمد حسنى والعمدة محيي.

على أية حال تعرفت فى مدرسة ارمنت الإعدادية الحديثة أيضا على أخوة وأصدقاء جدد لا استطيع أيضا حصرهم او عدهم، فمنهم من ينتمى إلى خارج أرمنت ومن محافظات مصرية مختلفة، ومنهم من ينتمى إلى فخرانية أرمنت، ومنهم من ينتمى إلى بيت العمدة متولي الحجار، آخر من تولى منصب عمودية أرمنت الوابورات، ومنهم من  ينتمى الى بيت حمودة وبيت ابوسليم والى الهلايل بأرمنت الوابورات نفسها، واخرين يعدون من ابرز عائلات المراعزة ونجع دنقل والشرق.

ومن أبرز اصدقائي هناك حسن حنفى ورجب عبدالنبي واحمد يوسف وابوبكر حجاج القوصى ومحمد سيد واحمد حسن شحات وعلى عراقى وفراج محمد خليل والحكم الدولى وحارس مرمى ارمنت الشهير ابراهيم وعبدالرحيم الدنقلاوى وعبدالكريم النادى واحمد جمعة والدكتور اشرف عزيز المحامى وتاوضروس ومكرم وعلى الهلالى ومحمد خالد ابن المهندس خالد إسماعيل رئيس رابطة العاملين بالإصلاح الزراعي بأرمنت منذ الستينات ومن اولاد سند.

وأدهم عمار، ابن المستشار عبد الرازق عمار ، مدير عام الشئون القانونية لقطاع شركات السكر علي مستوي الجمهورية، والذى كان قيادياً من قيادات حزب الوفد بأرمنت، ففتح بابا جديدا للمناقشات حول طبيعة هذا الحزب وأفكاره.

ورغم أن أدهم كان مشاغبا إلا أنه كان فاهما بعض الشيء لما يقوم به والده.

وغيرهم الكثير والكثير مما يصعب على المرء حصره وذكره فى هذا المقام.

وأعتقد أن مدرستنا الاعداية قد عرفتنا على طبيعة جفلك أرمنت وتاريخه وكونه كان كاشفية يحكمها كاشف تركي طيلة تاربخها،  والذى كان البعض قد قصره على أرمنت الحائط إلا أن شواهد دولة محمد على كما رأيناها، تجعله كائنا فى أرمنت الوابورات.

سواء عبر أوامر محمد على وأسرته، أو عبر إنشاء مصنع سكر أرمنت فى القرن 19 ومشروعات الرى فى النصف الأول من القرن العشرين كمشروعات رى الغريرة والرزيقات التى بدأتها الحكومة فى عام ١٩٢٦.

ومن ينظر الى بوابة أرمنت التاريخية وحرص المهندسين الاجانب العاملين بمصنع السكر على التقاط الصور اسفلها ليعرف بأن أرمنت كانت تدار من قبل أناس من خارجها.

فحين تجد مديرين بلجيك وفرنسيبن وبريطانيين وأمريكان وروس وألمان يقيمون فى مستعمرة المصنع، بل إن كرسى البرلمان قبل الثورة كان يذهب لأحمد عبود باشا، ناهيك عن وجود مصريين من الشرقية والغربية والمنوفية وغيرها يديرون قطاعات الضرائب والتصنيع والتعليم وخلافه، فتستشعر بأن أرمنت قد تأخرت فى مجال التعليم كثيرا عن غيرها.

وأذكر أنه كانت لدينا حوارات ونقاشات حول تلك الأمور.

بل إن ما كان يستفزني من مسميات فى أرمنت هو لفظة المستعمرة داخل مصنع سكر أرمنت.

فذات مرة سألت صديقى محمد جمال: أين تعيش فى مساكن المصنع يا محمد؟

فقال فى المستعمرة.

فقلت له إزاى يعنى مستعمرة؟

هل أنتم محتلون يا محمد حتى تسكنوا فى تلك المنطقة؟

فضحك لكنه لم يرتب فى ذهنه لإيجاد إجابة للسؤال المطروح كما كان يفعل دومًا.

اعتقد أن السؤال فوجئت به وأنا أطرحه، كما تفاجئ به هو.

قلت له يا محمد ألا ندرس فى كتب الدراسات الاجتماعية أن لفظة مستعمرة مرتبط باستعمار أوروبى؟..

فلماذا تسمون المنطقة التى تعيشون فيها مستعمرة؟

فذكر أن هذا اللفظ قديم جدًا، وأنه منذ إنشائها، ولا علاقة له، حسب ما يعتقد، بالفترة التى قدم فيها أبيه للعمل فى المصنع.

كان هذا الحوار مقدمة لحوارات كثيرة جرت فيما بعد.

المستعمرةفلم اقبل بهذا اللفظ الذى سمعته لأول مرة رغم اننى لم اقرأ فى كتب التاريخ بعد ولم اتعمق، لكن بالسؤال عنه فيما بعد تبين أنه مرتبط بفترة الاحتلال البريطانى.

فرغم أن المصنع قد تم بناؤه قبل الاحتلال البريطانى بفترة، لكن ارتباط إدارته بالأجانب فى فترة الاحتلال جعلهم يطلقون على المنطقة السكنية التى يعيشون فيها لفظة مستعمرة.

فدرج العمال حتى بعد تمصير الإدارة على استخدامه دون أن يدركوا مغزاه.

وأنا لا اعلم لماذا يقبل العمال المشتغلين بالمصنع بتسمية المستعمرة بهذا الاسم حتى الآن؟

ففى الوقت الذى كانت فيه الحركة العمالية قوية داخل المصنع إلا أنهم لم ينتبهو للمسمى أبدًا.

يبدو ان حركتهم ركزت على مطالبهم الفئوية أكثر من الالتفات لمسائل سياسية.

فقد عرفنا بأن مقاومتهم لزيادة أجور العمال فى مصنع ارمنت قد جاءت فى اطار الحركة العمالية لمصنع السكر بأرمنت، والتى بدأت مع ثورة ١٩١٩ وتجددت مرارًا وتكرارًا فى الثلاثينيات والأربعينات من القرن العشرين، حتى تشكلت لجنة للتوفيق، فقررت تلك الزيادة لكنها لم تنتبه لمسألة المستعمرة وتسميتها أبدا.

وللعلم فإن تاريخ الحركة العمالية فى أرمنت تاريخ مشرف فعلى سبيل المثال قامت مظاهرة بشركة سكر أرمنت للمطالبة بزيادة الأجور فى الثلاثينيات، فاستباح المدير الأجنبي لنفسه قتل قائدها محمود مرسى برصاص مسدسه، وأطلقت الشرطة سراح المدير واعتبرته فى حالة دفاع شرعى عن النفس.

وبعدها أعاد العمال تشكيل نقابة جديدة لهم واعتبرت الإدارة تشكيلها جريمة وفصلت كل أعضائها، وبعد مفاوضات أصر مدير الشركة الفرنسى ألا يعود نقابي إلى عمله إلا إذا ارتدى ملابس النساء إمعانا فى إذلالهم وكسر نقوسهم.

ولبس البعض زى النساء التقليدى (الجبة والقناع) ودخلوا المصنع يجرون ذيول الذلة تحت وطأة الحاجة.

وظلت الحادثة وصمة فى جبينهم وجبين أحفادهم من بعدهم، وتم فصل من لم يرتدى منهم زى النساء.

وظلت تتجدد المقاومة بين الفينة والأخرى حتى فبراير 1945.

حيث تقدمت نقابة عمال السكر بالحوامدية التى تضم نحو خمسة آلاف عامل بمجوعة من المطالب إلى إدارة شركة السكر والتكرير المصرية التى تملك إلى جانب مصنع التكرير بالحوامدية خمسة مصانع أخرى منها مصنع أرمنت، وهى شركة لها وزنها ضمن أسرة البرجوازية الصناعية.

لكن لم تستجب الحكومة لمطالبهم إلا عام ١٩٤٨.

لهذا أتمنى أن يتم تحويل اسم المستعمرة التى بداخل المصنع إلى مسمى مساكن شركة السكر.

فلا يعقل أن تحتفظ الشركة بلفظة استعمارية مقيتة حتى الآن.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة
الدكتور أحمد عبد الدايم

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الوسوم

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.