مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة السابعة)

والدتى أمية لا تقرأ ولا تكتب وبالتالى مفاتيحها سهلة وميسرة، أما أبى فحافظ لكتاب الله ويقرأ أحسن ممن يحملون الشهادات العليا، ويكتب خطًا أجمل من خطى، وبالتالى يحتاج إلى حرفية فى التعامل والاقناع.

اقول هذا الكلام ليس للمقارنة بينهما، فجزاهما الله عنى كل خير ومحبة، لكنى اقوله لأنى استفدت منهما الكثير، وتعلمت من المخطوطات التى كان يحتفظ أبى الكثير والكثير.

أذكرهما سويا محبة لهما، وخشية أن اذكر أحدهما دون الآخر.

صحيح أن الولد والوالدة من عائلة واحدة، هى المواضى، لكنهما ينتميان لبيتين كبيرين، يعدان قرنين مهمين فى قرون العائلة الست.

فأولاد على، هم بطن أبى، والمناصير، هم بطن أمى، وكلا البيتين يعتز بنفسه وبفتوته أكثر من أى شئ آخر.

لذا فإنى احتاط دومًا بألا أبدى حبًا لأحدهما أكثر من الآخر.

ومع هذا كان أبى رحمه الله يتهمنى بأنني ابن أمى، وأنها تعاملنى بشكل مميز عن إخوتى.

قد يكون ذلك صحيحا الى حد ما، لأننى ابنها البكرى، بعد فقد ابنتها الكبرى  نادية رحمها الله،  لكن الصحيح أيضا أن مواقفها وتعبيراتها وسحر حديثها لا يقاوم ، وأن ما أريده من حديث فى مناطق معينة، من الصعب على ابى أن يخبرنى به. والعكس صحيح، فهناك أحاديث لا تعلمها أمى يخبرنى بها ابى. فاللهم بارك لى فى أمى، وأرحم ابى، واجعلهما نورا يضيء لى الطريق بفضل دعواتهما. وأذكر أننى كنت اعتذر من ابى فى كل عيد أم لأحيى أمى واهنئها. وكنت اطلب من أمى أن تكثر لى  من الدعاء، وان تطلب من ابى أن يقرأ لنا ختمة من القران كل ثلاثة ايام، وأن يدعو لى بأن يكرمنى وأن يهيأ لى من أمرى رشدا، وان يجند لى جندا من عنده يقفون بجانبى، مناصرين ومعضدين فى كل حياتى. فجزاهما الله عنى وعن أخوتى كل الخير، فقد ربيتم وقدمتم. لهذا ادعو من المولى عز وجل أن يكرمهما دوما، وأن يغفر لهما جميع الذنوب والآثام.

  وفى الختام، لا أود ان استطرد فى تعديد ما حرمت منه فى مرحلة الطفولة، لكننى أختم بالقول بأننى قد حرمت مما يحبه كل الأطفال وهو أفراح القرية وغنائها الشعبى وممارسة اللهو واللعب خلال الموالد والافراح. فحينما كان ينطلق مطربنا الشعبى، أبوداود، مغنيا خلال أحد الافراح المقاطع الاَتية:

يا بت بيضة من حالك… ولا غسيل صابون

يا واد انا بيضة من حالى.. وابوى تاجر صابون

خشمك ما يدخل فولة… كلك تتاكلى

بينا فوق… أمك غيارة… بينا فوق

وعـ السرير ,اظبطلى الساعة على السرير

تستشعر بأن مقتطفاته الشعبية ما هى الا تراكم لتجارب وخبرات غرضها تسلية الناس عن يوم طويل قضوه فى فلاحة الارض ورعايتها. ومن ينظر الى الكلام السابق يجد انه اباحى جدا. فالرجل فيه يخاطب زوجته لحظة المتعة بهذا الغزل الصريح جدا. لكن المهم ان هذا الكلام كان يغنى فى مجتمع محافظ جدا، ولا توجد به حالة زنى واحدة، بل ان اكثر ما يمكن أن يقال فيه: أن فلانة تهوى فلان، وفلان يهوى فلانه.

هذا المجتمع المحافظ الذى يسمع تلك الكلمات الغزلية الصريحة ويقرها ويغنى لها، بالتأكيد هو مدرك لها، لكنه غير منتهك للاعراض بالمرة على أرض الواقع. فهذا الزوج وزوجته وما بينهما، انما هو حلال شرعا، وبالتالى صار غناؤه فى ليالى الافرح مجازا، كونه يغنى للعريس فى ليلة زفافه. وكأنه يعلمه كيفية التعامل مع الزوجة خلال تلك الممارسة الجسدية المقدم عليها، بحيث يلقنه كيفية التعامل مع غيرة الام من زوجته، واختيار المكان المناسب بعيدا عن الام، والذى لا يسمح باشتداد نيران تلك الغيرة.

اعتقد ان الغناء الجماعى لهذا الكلام الفاضح هو الذى جعله مستساغا ومقبولا لدى اهالى القرية. ولو كان يغنيه مطربا بمفرده ما سمحوا له بذلك، ولطردوه فى الحال. فجماعة مطرب القرية الشعبى، ابوداود، تستحق التكريم والاشادة، فابودود قائدها، هو عبارة عن رجل يمسك بالدف ويقود صف من المرددين وراءه، وكل ادواتهم هو استخدام الكفين وترديد ما يقوله الرجل من مقاطع. واحيانا هم من يقودوه الى مقطع جديد.

 أما فى القرية التى انتقلنا إلها، فقد كان يسود نمط الغناء الفردى، مطرب معين يحيى ليلة. وغير مسموح لى من الأسرة أن أشارك الا فى بعض ايام المولد النبوى أن أحضرها وقبل المغرب فقط. اما نحن فى قريتنا الأم، فالفردية غير موجودة بالمرة، فالصف والجماعة هو الاساس. لذا فاننا نحتاج الى مراجعة لما كان يقال ويغنى، ويحافظ على وحدتنا كقرية. اعتقد ان غنائنا الشعبى هو الذى طبع روح قريتنا بالاخوة والمحبة بين كل العائلات. فمجموعة أبو دواد على سبيل المثال، كان قوامها أفراد يحفظون الأشعار والمقاطع من كل العائلات. وهى مجموعة غير مستفيدة من احد، ولا تأخذ مالا من احد، بل تحييى افراح القرية من باب المجدعة والمرجلة. وهى مجموعة تسمح بالانضمام اليها من كل ابناء القرية فى كل ليلة من ليالى الفرح، والتى قد تطول لتصبح اسبوعا او تقصر ليومين، بما يعنى أـن الصف المشارك فى احياء تلك الليالى قد يطول ويقصر حسب الرغبة وحسب اقبال الشباب على حفظ تلك الاناشيد.

استغل الكلام السابق واقول لشباب قريتنا الرائع، والذى يقدم تجربة جديدة الاَن فى التضامن الاجتماعى تستحق الدعم والشد على ايديهم: ابنوا على عناصر القوة التى كانت قائمة وموجودة فى قريتنا الحبيبة طيلة تاريخها. ولا تلتفتوا لمن يشدكم يمينا ويسارا، ويحاول ان يفرق بينكم بالقبلية تارة وبالطموحات الشخصية تارة أخرى. تحدثوا عن قبائلكم داخل قبائلكم، لكن حين تلتقوا تحدثوا عن القرية ككل، تحدثوا عن كيفية خدمتها، وخدمة اهلها وتعليمهم وتطويرهم ونهضتهم.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة
الدكتور أحمد عبد الدايم

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الوسوم

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.