مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة السادسة)

حرمان فى مرحلة مبكرة.

حيث حُرم أبى قبل أن أولد من شقيقتى نادية، وحرمت أنا بعدها من شقيقيّ محمد ومحمود، اللذان يصغرانى سنا، لكنهما يفوقانى طولا وعرضا.

حيث توفى أخى محمد بلدغة عقرب أودت بحياته، فحزن عليه أبى حزنًا شديدًا كحزنه على أخى الحسن فيما بعد، وإن كان الأخير لا يضاهيه أحد فى الفقد والألم.

ومات أخى محمود بمرض الحصبة وما صاحبها من وصفات شعبية خاطئة، ففقدت أمى صوابها.

ويبدو أن هذه الفاجعة قد جعلتهما يقبلان بأن أتربى عند جدتى لأمى، عائشة عبدالله سلامة، خوفًا علىّ من شدة ارتباطى بها، وربما خوفا أن يفجعان مرة أخرى.

خاصة وأنه لم يولد بقية أشقائى، الحسين والحسن وخالد وسناء وإحسان، إلا فيما بعد.

وأعتقد أن الاختبارات الصعبة التى تعرض لها أبى فى فقد ولديه مبكرًا، وصبره على ذلك، هو الذى جعل الله يكرمه بثلاثة رجال وابنتين فيما بعد.

وبطبيعة الحال كان حرمانى من أخوي الحبيبين، قد جعلنى أصد تمامًا عن منزلنا القديم فى الشارع الغربى للرزيقات وأعيش بصفة دائمة مع جدتى فى الشارع الشرقى.

على كلٍ، لم يقتصر الحرمان عند هذا الحد، بل سرعان ما حرمت من العيش بين الأهل والعزوة فى مرحلة مبكرة من حياتى.

فلم أنشأ متمتعًا بنفوذ العائلة وسطوتها مثلما تمتع به أقرانى من أبنائها.

فكان انتقالنا من قرية الرزيقات قبلى إلى قرية الرياينة، قد حرمني من أن أنمو وأكبر بين عائلتى الكبيرة، المواضى، الممتدة من البحر إلى الجبل.

وتسبب هذا الحرمان المبكر فى أن أعيش فى قرية أخرى وحيدا غريبا، لا أستشعر قوة عائلتى أو سطوتها، ولا أستفيد منها ولا أفيدها.

تلك العائلة التى تغضب لغضب أبنائها، وتزحف مجلجلة اذا تعرض أى رجل فيها للأذى.

فالقول ما قالت المواضى، والفعل ما فعلت المواضى، والحب إذا أحبت المواضى، والدماء اذا كرهت المواضى، والرضا اذا رضيت المواضى.

تلك القبيلة التى لها من المكانة والنسب الشريف ما لها، ولها من النفوذ السياسى والاقتصادى ما ضمن بقائها قرونًا طويلة متربعة على عرش الزعامة فى القرية، ولها من العلاقات الاجتماعية والثقافية والروحية ما يجعلها حاضنة للجميع وقبلة لهم.

ولو أعطينا نبذة صغيرة عنها، لوجدنا أن بيوتها ست رئيسية: هم أولاد علي، وآل الجرف، وبيت ماضى أبو محمد،  والجوابر، والمناصير، وآل سلامة، وغيرهم.

وكل بيت من هذه البيوت عبارة عن بطن كبير ممتد النواحى، وكل بيت من هذه البيوت يهاب الآخر ويحترمه بصورة تحفظ للعائلة هيبتها ونفاذ كلمتها.

فهى من ناحية العدد والعدة والعتاد لهم الغلبة والفخار، خاصة وأن العائلتين الآخريين، الرشايدة وآل زعيم، نصفهم يعيش فى قريتنا ونصفهم الآخر يعيش فى قرية مجاورة.

أما من ناحية المكانة والتاريخ والواقع فإن المواضى لهم من العراقة والشرف والسطوة ما يروى روايات وينقل حكايات، الأمر الذى يجعل الجميع يحرص على الزواج من بناتهم، وهم يدخلون فى علاقات مصاهرة مع الجميع فى داخل القرية وخارجها، ويحترمون الجميع والكل يحترمهم.

فأن تكون ابنا لقبيلة بتلك المواصفات وتحرم منها وأنت طفلاً، فقد حرمت الكثير وفاتك الكثير والكثير.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد مثّل انتقالنا من قريتنا الأم إلى قرية جديدة نقطة تحول كبيرة فى حياتى، حيث حرمنى من جدتى، عائشة عبدالله سلامة، تلك الجدة التى ربيت فى حجرها.

وكانت تعد من أعيان القرية، فقد اشترت فوق ميراثها من الأرض الكثير، وكان ذهابها لشركة السكر لاستلام إيرادها السنوى من أجمل الأيام فى حياتى.

فقد كنت اصطحبها من قريتى الأم إلى أرمنت الوابورات ثم أعود بها إلى قريتى الجديدة محملة بكافة أنواع الفاكهة والملابس، لى ولأختى ووالدتى، فضلا عن المبلغ المالى الذى تتركه لأمى.

وكانت جدتى سيدة صالحة ونظيفة ومنظمة، تؤدى الصلوات فى وقتها، وتطعم هذا وذاك، وتقرض الذى يحتاجها، وتهب للفقراء، وتشارك فى كل أتراح القرية أكثر من أفراحها، وما من عزاء إلا وباتت فيه أيامًا، وكنت بصحبتها وملازمًا لها فى كل تلك المناسبات، ومن ثم كسبت محبة صديقاتها وأقاربها، فكنت ابنهم ومقربا منهم.

تعلمت فى تلك المناسبات أشعار الحزن والعديد والوجع، لكن للأسف الشديد نسيتها جميعا.

وتعلمت منها فنون التواصل النسوي الخاصة واستفدت منها.

فقد كانت رحمها الله صاحبة واجب فى كل مناسبة، فكانت تشارك العزاء صباحًا، وتحمل الطعام المميز لنساء معينات ليلا.

وكانت سيدة لبقة واجتماعية مع كل نساء القرية، تحظى باحترام الجميع ومحبتهم.

وأقول هذا الكلام عنها قاصدًا تغيير الصورة النمطية المأخوذة على بعض نساء القرية من أنهم كن أقل من الرجال ففى حين يأكلن البتاو يأكل الرجل الرغفان، ناهيك عن الحيف فى الميراث.

فقد كانت هيبتهن من الرجال نتيجة احترام وليس خوف.

فقد عشت مع جدتى ووجدت كلمتها نافذة ومكانتها محفوظة.

لهذا كان حرمانى منها أشد ما يكون على نفسى ألمًا، فقد تركت منزل أبى وأمى وربيت فى حضنها وكنت مدللًا عندها، وكان أولاد أخوالى يحسدوننى على محبتها الخاصة لى, وحينما حرمت من رؤيتها هربت مرارًا إليها، لأحظى بهذا الحب كل أسبوع.

غير ان الانتقال إلى قريتى الجديدة كان له فوائد أخرى، فقد عاد ارتباطى بأمى من جديد.

حيث كانت أمى فى بيتنا الجديد تمثل كل حياتى.

بل لم يقتصر الأمر على الارتباط بها فقط، فقد عدت أيضا لحضن أبى، واستوثقت علاقتى بأختى إحسان.

فقد كنا نحن الأربعة شركاء المنزل الجديد وسكانه، وليس لنا صديق، خصوصا فى الأيام الأولى فى قريتنا الجديدة.

فرغم أنها كانت أيام صعبة على نفسى إلا أن عودتى لحضن اسرتى الصغيرة ضبط حياتى وهذبها.

ويمكن القول بأن ارتباطى بأمى وأبى برز فى مسائل كثيرة، أدلها أنه حينما كان يأتى عيد الأم أجد نفسى لزامًا أذكر أبى.

وأتمنى للاثنين سويا طول الحياة بالليل والنهار.

فأبى مثال للاحترام والجدية والوقار والهيبة، وأمى بالمقابل هى مثال للمرح والمحبة والسرور والفرح.

وحينما يحل موعد عيد الأم اتذكر هداياي التى كانت رغم صغرها، تفرحها.

وكانت أمى، وما زالت، هى الأقرب لى فى كل شئ، فقلبها وعاطفتها سهلة الوصول، أما والدى فكان يحتاج للغة العقل والهدوء والمنطق.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة
الدكتور أحمد عبد الدايم

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الوسوم

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.