مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة الخامسة)

دخلت مدرسة أرمنت الإعدادية الحديثة سنة 1980، تلك المدرسة التى كانت مجاورة تمامًا لقصر أحمد عبود باشا بأرمنت الوابورات، حيث لا يفصل بينهما إلا سور السراى.

وكانت جميع الأراضى المحيطة، بما فيها أرض المدرسة، ملكًا لهذا الاقطاعى الكبير، فأممت وأصبحت تابعة للإصلاح الزراعى.

وحين دخلنا المدرسة الإعدادية كانت لا تزال تلك الأراضى والقصر ملكًا لابنته منى عبود، التى كانت تعيش فى الخارج، ولم نسمع بوجودها فى هذا القصر إلا مرة واحدة.

حاولنا اختراق القصر مرات عديدة، لنراه من الداخل، فلم تتح إلا مرة واحدة، حين سمح لى الحارس بالفرجة عبر الممشى الداخلى دون ولوج أي مبنى من المبانى المقامة داخل السرايا.

قرأت عن التأميم فيما بعد، لكن لم يعجبني طريقة الحياة التى أقامها هؤلاء الأثرياء الوافدون على مدينتنا.

فلم استطع أبدا أن أتفهم وأنا صغير، وأنا أمر بمساحات لا حصر لها، واتعب لو كنت راكبا السيارة، من النظر إليها ومعرفة حدودها، وأن ذلك يكون ملكًا لرجل واحد فقط، وأن بقية الأهالى يعيشون على قطع صغيرة مفتتة.

وكانت عوامته وأسطوله النهري المرابض داخل النهر وأمام القصر يستفزني.

حاولنا مرات أن ندير إحدى اللنشات ونستمتع مثلما كان يستمتع الرجل، فلم نفلح لقوة الحراسة ولجهلنا بطريقة التشغيل.

أحمد عبود باشا
أحمد عبود باشا

لاشك أن قصة أحمد عبود باشا طويلة مع أهل أرمنت، وأنه إذا كان قد استفاد سياسيًا من المدينة عبر سيطرته الاقتصادية على جل أراضيها، إلا أن قوة بيت الناظر فى أرمنت الحيط، وقربهم من أهالى الدائرة المضارين، واللعب على أن الرجل غريب عن البلد ومتحكم فيها، قد أسقط نفوذه السياسى فى آخر انتخابات برلمانية قبل الثورة.

سمعنا قصصًا كثيرة عن الرجل وعن السياسيين الذين كان يأتى بهم من القاهرة ليستمتعوا معه.

وأنه اتخذ من قصره مكانًا لإدارة اللعبة السياسية فى القاهرة نفسها.

وبالإضافة إلى عقاراته الكثيرة حول القصر، كانت أملاكه تفوق ستة آلاف فدان فى أرمنت بمفردها.

ولما كان الكلام عن القصر والأراضي المجاورة لمدرستنا الإعدادية يطول، إلا أن وقوع هذا المكان بهذا الشكل إلى جوارنا، جعلنا نتفاعل مع التاريخ القريب أكثر، وخصوصا مبادئ ثورة يوليو 1952.

صحيح أننا لم نكن نعرف الرجل، وليس لنا علاقة به، ولم نستفد من تأميم أراضيه كبقية القرى، لكن وجودى فى قرية الرياينة التى استفادت من تأميم تلك الأملاك، جعلني أتعاطف معهم فى حقهم الطبيعى فى تلك الأراضي.

فكم عدد الألوف الذين استفادوا من تلك الأملاك وغيروا نمط حياتهم.

ومع ذلك لم يرتق الأمر لحقد طبقى، أو كراهية تامة للرجل.

خاصة وأنه أصبح أثرًا بعد عين، ولم تكن له ذرية إلا ابنته، وفى النهاية باعت القصر واستقرت فى الخارج.

أعتقد أن المدرسة الإعدادية كانت بوابة مهمة فى الانفتاح على أصدقاء جدد من مدينة أرمنت وملحقاتها، ومن قرية الرياينة، وشرق النهر بمختلف نجوعه من العديسات والطراخين وبعض النجوع الأخرى.

حيث كانت تجمع المدرسة تلاميذها من كل تلك المناطق.

وبالتالى كانت المدرسة ونشاطاتها فرصة ممتازة لاكتساب أصدقاء جدد من كل تلك الأماكن.

كل له تجربته الاجتماعية والثقافية والسياسية المميزة.

وكانت الإذاعة المدرسية والمسرح وملاعب المدرسة فرصة كبيرة لهذا التلاقي.

والحمد لله وصل زملاء كثر من دفعتنا إلى أعلى المناصب فى الدولة وفى كل المجالات.

جمعتنى صحبة فصل المتفوقين طيلة سنوات الإعدادية الثلاث بأصدقاء كثر.

منهم من أصبح طبيبا وصيدليا مبرزًا فيما بعد، ومنهم من أصبح أستاذا فى هيئة الطاقة الذرية، ومنهم من أصبح ضابطًا فى الجيش والشرطة، إلى غير ذلك.

لكن الذى لفت نظرى أن مقعدى كان مجاورًا للطالب محمد جمال ابن اخت قاتل الرئيس السادات، خالد الاسلامبولى.

وكان شابًا فذًا قادمًا من المنيا مع أبيه المهندس الذى يعمل فى شركة السكر، هذا الطالب أعطاه الله حسن الخلقة والخلق وحسن التصرف.

لكنه كان مرواغا حين تسأله عن علاقته بخاله قاتل السادات أو حينما تطلب منه وصف ما وقع فى المنصة فى حادث الاغتيال.

ورغم حيله الكثيرة فى التهرب من أسئلتنا إلا أنه كان محبوبًا من الجميع، طلابا ومدرسين.

ومن الغريب أيضا أن المقعد الذى يلينا مباشرة كان يجلس عليه عبدالكريم النادى المحكوم عليه بالمؤبد لمشاركته فى محاولة اغتيال الرئيس حسنى مبارك فى أديس أبابا عام 1995.

كنا نذهب للمدينة نشتري الصحف ونحتك ببعض السياسيين القادمين من القاهرة كل عام تقريبا، وخصوصًا المنتسبين لحزب التجمع والناصريين.

وكنا نرى شباب السياسيين أمثال ضياء رشوان، ابن أرمنت ومصطفى بكرى قادمًا من قنا وآخرين غيرهم، يصطحبون هؤلاء.

وهذا لا يعنى أننا لم نستفد من مدرسينا، فبحكم أن مدرسي الإعدادية كانوا خريجوا جامعات، عكس الابتدائية التى كان مدرسوها من مدرسة المعلمين، فقد أضاف لنا هؤلاء من معارفهم الكثير، فمنهم من كوننا أدبيًا وشعريًا كالاستاذ عبدالعاطى، ومنهم من كوننا علميًا ورياضيًا، ومنهم من كوننا سياسيًا وفكريًا كالأستاذ عبدالفتاح ميرغنى، فقد تعلمت على يديه الكثير.

وكان يزعل مني جدًا حينما أقف مع طلاب الرياينة، ويقول لى اقعد يا أحمد أنت من الرزيقات قبلى، وابن خالى كمان.

ربطنى به من أول وهلة، لمجرد أنه عرف أبي الشيخ عبدالدايم، ورآنى مرة أمام بيت عمى مأمون فى قريتى الأم  فى الشارع الغربى.

وحينما رجعت البيت ورويت لأبي قصة الأستاذ الجنتل ابن قريتنا، حدثني بأنه ابن العمدة محمد ميرغنى، وأن أمه مننا، أى من أولاد الحاج علي، عائلة أبي.

وأننى لو حدث معى أى شيء فعلي الذهاب إليه مباشرة.

تعلمنا من الأستاذ عبدالفتاح ميرغنى مادة العلوم كما ينبغى أن تكون.

وكنا نفخر بأننا طلابه ونتعلم على يديه.

حيث كان منفتحًا ويعطينًا شروحًا ومعلومات لا يجرؤ زملاؤه على استكمال الشرح فيها.

وحينما رجعت لأرشيفه فى القرية ارتبطت به أكثر فأكثر.

سمعنا منه فى المرحلة الاعدادية ليس عن حزب التجمع والناصرى فقط، بل في كل شيء، فكان معلمنا الأول فى هذا المجال.

هذا المدرس الشاب كنت أتساءل ما لهذا المثقف ابن الأصول النابه  والسياسة، هذا كان تصورنا لكن عندما كبرنا وذهبنا للمرحلة الثانوية العامة، واستقبلنا صديقه الأستاذ عبدالراضى طنطاوى، مدرس الرياضيات الشهير وعضو حزب التجمع، أكمل لنا ما بدأه العمدة عبدالفتاح ميرغنى.

وكنا ندرك قيمته كلما زاد وعينا أكثر فأكثر.

فله مني كل المحبة والتقدير والاحترام على مشاركته فى بناء جزء أصيل من وعينا فى تلك المرحلة.

أعتقد أن المرحلة الإعدادية قد أنضجت وعينا أكثر، فأصبحنا فى قلب المدينة نشتري ما نريد من الصحف، ونسمع لما يقدم لنا من فتات السياسة كل فترة.

 

اغتيال الرئيس السادات
اغتيال الرئيس السادات

 

غير أن اغتيال الرئيس السادات قد أثر كثيرًا، لدرجة أننى كنت أخفى عن والدي أننى اجلس بجوار ابن اخت قاتله.

فما ذنبه إن كان ابن شقيقته أم لا؟

وأعتقد أن المناخ السياسى الذى وفرته المدينة قد جذبني شيئا فشيئا إليها وأن حلول مبارك محل السادات لم يكن مستغربًا حتى من قبل كارهي السادات داخل المدينة.

فكنت لأول مرة اتعرف على إسلاميين.

وكنت أتساءل ما علاقة هؤلاء بالسياسة ولماذا يكرهون السادات وينقمون على نظامه؟

لكن لم يكن لنا سبيل فى التعرف على أحد منهم، فلم أجد إلا أحد مدرسي المدرسة لا أتذكر اسمه الآن.

وكان لا يتحدث فى السياسة مطلقًا، لكن بحكم الفضول حاولت أن اسأله مرة، فطلب مني المشاركة فى أعمال الخير والتطوع بدلًا من الحديث فى السياسة.

فأخذنا ومجموعة من طلاب المدرسة للمشاركة فى أعمال بناء مسجد الرحمن مقابل حضورنا لمجموعات دراسية مجانية.

إلى هنا تعرفت فى المدينة على كل مكونات السياسة تقريبا، من اليسار إلى اليمين، لكننى ليس لى خلفية بمفرداتها ومضامينها، وتلك قصة أخرى سنأتى إليها.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الوسوم

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.