الحوادث والقضايامساحة للاختلاف

القضاء.. راجح

والعالم يحتفل بمرور٥٠ عامًا على ظهور الانترنت، ذلك الحدث الذى غير وجه الدنيا وطريقة وسرعة الاتصال والتواصل بين البشر حول الكرة الارضية.

فإن هناك رياحًا ديمقراطية قد هبت فى بلدان مجاورة مثل ديمقراطية إثيوبيا ونوبلها، وثورة السودان، والحراك في الجزائر وتونس ولبنان.

أما فى مصر فإن هناك فيديوهات مدريد التى أحدثت بعض تظاهرات نتج عنها القبض على عدد من المتظاهرين وإيداعهم السجن فيما يعرف بأحداث سبتمبر..

الأمور فى تغير متسارع، يتطلب المتابعة والملاحظة.

ومن ذلك فإنى أرقب التفاعل أو الصراع بين القضاء كنظام متماسك كلاسيكى تأتى عليه رياح الانترنت فتقض مضجعه، وتحرك جبلا يردد دائما «يا جبل ما يهزك ريح».

يتمثل ذلك فى الملاحظة الأولى التى تتعلق بمدى جواز التعليق على أحكام القضاء ودورانها بين اتجاهين

الأول يقول بعدم جواز التعليق إلا فى الكتب المتخصصة وقاعات البحث.

والثانى يقول إن الانترنت أسقط تلك القاعدة وجعل التعليق أمرا واقعًا لابد من الاعتراف به تمشيا مع تكنولوجيا الاتصالات وتغير طبقة المتفاعلين من الأحكام، فبعد أن كانت هذه الطبقة تتمثل فى شريحة بسيطة كالمحامين والجمهور الذى يحضر جلسات المحاكم أصبحت طبقة واسعة جدًا من خلال التواصل الاجتماعى السريع على الشبكة العنكبوتية.

فمثلًا تريند #اعدام_راجح أخطر تعليق على عمل القضاء وتدخل فيه دون مسوغ ودون مبرر ودون وجه حق.

القضاء المصرى وإعدام راجحالقضاء هنا وفى قضية راجح بالذات من المظاليم.

اللهم ارفع الظلم عن القضاء المصرى وأقله من عثرته.

القضاء المصرى يتواجد فى محيط يعانى قلة المعلومات والجهل بطريقة العمل القضائي المصرى، الراسخة منذ نشأة المحاكم فى مصر وحتى الآن..

فالقاضى عليه أن يبذل جهدًا مضاعفًا مقارنة بالقاضى الأوروبى مثلًا ليخلص أوراق القضية من الأكاذيب والضلالات التى بثها أطراف الدعوى فى الأوراق.

وهذه مرحلة تسبق عمله فى نظر القضية بالموازنة بين الأدلة.

لا يعلم الجمهور على شبكات التواصل الاجتماعى أن العمل القضائي له ما يميزه عن العمل الإدارى، بما يوجب عدم التدخل فى أعماله بخصوص قضية منظورة أمامه والتأثير عليه أو محاولة ذلك بتشيير هاشتاج عن المطالبة بعقوبة معينة، وهى هنا الإعدام، ونفس هذه العقوبة فى قضية أخرى كانت محل طلب الإلغاء من جمهور التواصل الاجتماعى.

فى العمل القضائى الذى يختلف عن طريقة إصدار القرارات فى أجهزة الدولة الإدارية المتعددة، فى العمل القضائي لا يستقل فرد واحد بالحكم النهائي فى أى قضية أو على أى شخص، ذلك أن نظام القضاء المصرى العريق يقوم على تنوع الجهات وتعدد الدرجات فى بحث القضية التى تشكل أوراقها جريمة الجناية.

حيث أولًا يقوم وكيل النيابة بالتحقيق فيها ثم إعداد القضية للتصرف بوضع مشروع قرار الاتهام وقائمة بأسماء الشهود وبيان مضمون شهادة كل واحد منهم، هذا كله فى النيابة الجزئية..

ثم بعد ذلك يرسل القضية إلى النيابة الكلية حيث يقرأها أحد وكلاء النيابة ويعرضها على المحامى العام، الذى إذا رأى أنها صالحة للعرض على المحكمة أرسلها إليها..

وهنا ثلاثة من المستشارين من كبار القضاة المتمرسين يقسمون العمل فيما بينهم لإنجاز القضية، حيث يصدر الحكم بأغلبية الآراء.

ومن المعروف، أن رئيس الدائرة التى تنظر الدعوى لا يستطيع أن يفرض رأيه بعد المداولة فى القضية..

فالنظام القضائي يستلزم ان يدلى الرئيس برأيه بعد عضو اليسار ثم بعد أن يدلى عضو اليمين برأيه أيضًا حتى لا يؤثر وضعه كرئيس للمحكمة على الرأى الذى يبديه عضوا المحكمة..

وبعد صدور الحكم فإنه يمكن أن يطعن عليه بالنقض.

وهنا حيث تتشكل محكمة النقض من خمسة من شيوخ القضاء على أعلى مستوى من الخبرة والثقافة القانونية الرفيعة وتبحث العوار الذى قد يكون شاب الحكم من خطأ فى القانون أو فساد فى الاستدلال أو قصور فى التسبيب أو إخلال بحق الدفاع.

اعتقد لو عرف أصحاب هاشتاج #اعدام_راجح ذلك سوف يرجحون كفة القضاء ويطمئنون إلى أنهم أمام قضاء عريق ومحترم، آليات العمل فيه تختلف عن آليات إصدار القرارات فى الجهات الإدارية المختلفة..

وأخيرًا فإن تسبيب الحكم هو ضمان للقضاء والمتقاضين، من خلال الأسباب يتبين كيف ولماذا انتهت المحكمة إلى قرارها ومدى صحة بحثها.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور محمد السمادوني

روائي مصري، وعضو اتحاد كتاب مصر، صدر له مجموعة قصصية وروايتين، هما: «تجربة خارج الجسد - وحارة الصوفى»، بالإضافة إلى كتاب بعنوان «احلام سياسية».. حاصل على الدكتوراه في القانون
الدكتور محمد السمادوني
الوسوم

الدكتور محمد السمادوني

روائي مصري، وعضو اتحاد كتاب مصر، صدر له مجموعة قصصية وروايتين، هما: «تجربة خارج الجسد - وحارة الصوفى»، بالإضافة إلى كتاب بعنوان «احلام سياسية».. حاصل على الدكتوراه في القانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.