مساحة للاختلاف

بداية مؤرخ (الحلقة الرابعة)

حديث في استكشاف الحب..

لم اقرأ كتابًا في حياتى عن الحب، ولم نسمع أفلامًا أو مسلسلات مثل أبناء اليوم عما يسمى بالحب..

لذا اعتقد بأننا كجيل كنا محظوظين باكتشاف الحب.

فقد كان أصيلًا فينا وغضًا ولم يك يومًا تقليدًا لمسلسلات أو محاكاة لقصص قرأناها أو روايات شاهدناها.

وأعتقد أن الحب هو الذى اكتشفنا وعرفنا بنفسه، وعلمنا هو مصطلحاته الخاصة والأصيلة.

وربما يندهش القارئ حين يعرف بأن أول علاقاتى البريئة كانت من طرف واحد، وأنها حدثت في الصف السادس الابتدائى.

كانت حبيبتى في نفس الصف الدراسى، ومعى في نفس الفصل، لكنها لم تكن لديها أى رغبة فى أن تُحاكي زميلاتها الفتيات، لا في الملبس ولا في آداب تناولها للطعام المدرسى بعيدًا عن بقية الفتيات.

كان يعجبنى فيها ثقتها في جمالها الذى كنت اتسمر أمامه، وتقلقنى عيونها المرتابة في تحركاتى حولها.

كنت أحاول أن اتعلم بعض المفردات كى أتمكن من التعبير عن إحساسى، وهى تمر إلى جوارى أو تتهادى بين أشجار المدرسة ضحكًا ولعبًا مع رفيقاتها.

كنت أتمنى لو تبوح لى ولو بكلمة تهذب مشاعرى وتكبح خيالاتى المريضة.

كانت طريقتى في التواصل هو متابعتها فقط، ولم أبحث يومًا عن البوح لها بأى شئ، فما زلت صغيرًا على تلك الامور التى يعرفها الكبار.

كنا طفلين، ولا تعرف هى ما يدور بداخلى، ولا حاولت يومًا بأن أصارحها بما يجول في صدرى نحوها, أعتقد أن الجهل بالحب وعدم معرفة متى يقتحم عليك حياتك وصغر سنى قد حرمانى من التواصل مع تلك الحبيبة التى اقتحمت على حياتى.

كانت نظراتى إليها تفصح بكل شئ وكانت هى تجهل كل شئ.

كنت أخاف أن يصيبها أى مكروه، أو ينظر إليها أحد من أقرانى.

كنت أود أن أكتب إليها بعبارات صغيرة تلخص غرامى بها، وتفيض لها بكل مشاعرى نحوها.

حلمت بها يومًا واعتقدت أنها قد شاركتنى نفس الحلم في ذات الليلة، فلماذا لا تفهم الدلالات التى بينتها لها في ذات الحلم؟

اعتقد أن منظومة القيم والعادات والتقاليد قد حرمانى من أرق إنسانة عرفتها في حياتى.

حيث كان زواجها في هذه السن المبكرة قد شكل صدمة كبيرة لا يمكن رصدها.

فقد كنت أشيد بناء من الرمال سرعان ما تهاوى مع هذا الخبر، وكنت ابني عالماً من التصورات والخيالات سرعان ما تحطم عند أول عاصفة تقابله.

كنت ناقمًا على هذا الرجل الذى أخذ منى حبيبتى، وتركنى كمهرة صغيرة أحاط بها الماء من كل الجوانب فأغرقها.

عشت فترة طويلة أترواح بين القلق والحزن والألم.

بعد فترة قصيرة حلت فتاة أخرى محلها، وكأنها جاءت تطبيقًا لقول الشاعر: «وداوني بالتي كانت هى الداء».

كانت ممشوقة القوام عسلية العينين، بادلتنى نظرات بنظرات، ولعبت معى خارج المدرسة، لكننا لم نقل شيئا يمكن توصيفه تصريحا بالحب.

فقد كنت متخوفا من تلك المصارحة حتى رحلت عنى بنفس طريقة الحبيبة السابقة، حيث تزوجت هى الأخرى.

ترى ما الذى يجعل حبيباتي يتزوجن مبكرًا؟!

هل جمالهن الخارق قد عجل بفرصهن في الزواج على حسابى، وبالتالى قضى على أحلامى الغضى في بداية تشكلها؟!

أم أن عادات تزويج الفتيات في سن مبكرة في قرانا هى التى قضت على تلك الأحلام في مهدها؟!

أحسست أن القرية بكاملها لا تكف عن الثرثرة في موضوع ضياع حبيباتى، وهن في الأصل لا يعرفنا بمشاعرى نحوهن، ولا أهل القرية قد انتبهوا في الأساس لأمر طفل.

واذكر بعدها أننى عشت ثلاث سنوات محرومًا من الحب، فبعد المرحلة الابتدائية كان يتم فصل البنين عن البنات، فذهبت إلى مدرسة أرمنت الحديثة إعدادية بنين.

لكن من اللحظات المهمة التى لم أنساها بعد ضياع حبيباتى هي أننى قضيت هذه السنوات استشعر الخوف من أى ارتباط بأى حبيبة أخرى، خشية الوقوع فى مصير علاقة قد تتشابه مع مصير علاقاتى السابقة.

أعتقد أننى لو قابلت إحدى حبيباتى الآن، لن أعرفها ولن تعرفنى، وبالتالى لم يبق منهن إلا تلك المشاعر التى عبرت عن البدايات الأولى لحركة مشاعرى، وبالمأساة التى اعتقدت أنها تلبستنى لفترة ليست بالقليلة.

حيث ماتت مشاعر الحب الأولى في الظل دون رعاية كافية، وتم وأدها قبل أن تنمو وتكبر.

ماتت قصة حبي وحيدة بلا سند من كلمات تحفظها، أو معاناة حقيقية تخدمها.

ما زلت أعتقد أن حبيباتى لم يخطئن لوحدهن، فقد كان الخطأ خطأى، واتحمله بوجعه الوقتى كتجربة أولية في الحب اعتز بها.

ولا ألقى أى لوم عليهن، وما يشفع لحبيباتى أنهن تزوجن بغير حب، بل زواجا عاديًا وكن أطفالًا لا يدركن معنى الحب ولا الزواج.

وبالتالى أشكرهن على تجربة حب قصيرة الزمن قدمناها لى في مرحلة استكشاف الحب.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة
الدكتور أحمد عبد الدايم

Latest posts by الدكتور أحمد عبد الدايم (see all)

الوسوم

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.