ثقافة وفنون

آسف أمي قد بُترت ساقي

كان عليّ أن أرحل بعد هذا الصراخ و القتل، لم أحتمل حينها البقاء للحظة مكتفٍ بالحزن والألم

اسمي (السبتي) ولدت ببيت جدّي تزامنا مع مقتل شقيق نتنياهو في قصة أول طائرة اختطفت من قبل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1975م.

كنت وجه شؤم عليهم بالتأكيد.. ههه !

هكذا يقولون وهذا ما حكتهُ لي أمّي بأنّي أشبه أبي في عشقه الأبدي لفلسطين، كان يراها بعين الحُبّ الأحمر الفاخر، كما كان يعشق بلدتنا الصغيرة بمنطقة -خنشلة الاوراس- وأناسها الطيبين.

كان بيت جدّي العتيق يقع في حي قديم جدا لا زال لحد الآن يحمل صفة (حي الاستقلال )رغم أنّ ملامحه تذكّر جدتي دائما بزمن المحتل الغاشم، فطرقاته الترابية الطينية الزّلجة مازالت لم تتغير، بملامح سطوح منازله الأزلية،و بلون قرميدها المائل للسواد بفعل الزمن، كان التساؤل يشغلني طيلة سنوات الشتاء المقرر علينا والمتكرر عندنا..

لماذا نشتاق دائما لبرد الشتاء رغم قساوته؟!

لماذا تحاصرنا الأمطار لتقتلنا غرقا في زمن اوهمونا شيئا اسمه (الاستقلال)!

حتى جاء زمن الطاعون الأسود-سنوات الموت العشر- ليمسح كل مفاهيمي وتساؤلاتي الماضية!

كانت بلدتي الصغيرة لم تذق حينها بعد سطوة و قسوة طاعون الارهاب الحاقد من جهة و لئم خفافيش الظلام من جهة أخرى، حتى تلك الليلة التي كنت فيها مع أمي رفقة أختي و الجدّة المريضة.

نمضي ليلتنا بسلام بعد أن غادر والدي الطيب البيت متجها إلى عمله كحارس ليلي كأيها الناس! فجأة سمعنا إطلاقا للرصاص بشكل متقطع أرعب أختي الصغيرة و كل الحي النائم. لم يجرأ أحدا على الخروج من تحت فراشه، ليكثر الهرج و المرج و كثرة السؤال عن الحال! كانت ليلة مخيفة مُملّة و ثقيلة على قلب أمي و الجدة! كان خوفُنا في الغالب على الغائب! كانت صلوات أمي تتصدّعُ لها جدران بيت جدّي حتى الصباح، و مع أول خيط أبيض هزّنا طرقٌ شديدٌ على بابنا الحديدي الأزرق الباهت،كان حقا مفزعا ذلك الخبط الكريه،كيف لا و هو يعلن لنا خبر قتل أبي! لا بل (ذبحه)!! أكاد أجزم أن لتلك اللحظة المفجعة رائحة عفنة و لون صباحي أسود قاتم بطعم بشع خيّم على نفوسنا البائسة إلى الأبد! و يا للصدفة حين يحاصر عزاءنا! فقد كان ذلك اليوم نفسه يوم تحصّل كل من ابوعمّار  و شمعون على جائزة نوبل للسلام فأي سلام يحتفي بقتل أبي و قتل أطفال فلسطين؟!

كان عليّ أن أرحل بعد هذا الصراخ و القتل، لم أحتمل حينها البقاء للحظة مكتفٍ بالحزن و الألم وسط الذكريات المنقوشة على جدران حوشنا العتيق، أمام نظرات أمي الشاحبة و أنين الجدّة! قررت الانضمام إلى صفوف الجيش الوطني عازما على الثأر لأبي و أبناء فلسطين! تخرّجت بعد عامين بطلا يعشق وطنه و أرض أجداده الشهداء،جاء بعدها أول خروج لي و أول معركة تمشيط لجبال مدينة تسمى (الاخضرية) كعنوان ثأرٍ لكل من فقد عزيزا غاليا، لكل من اُغتصبت أخته و قُتل جاره، ثأرا لكل أمّّاًً اِسودّ وجهها من البكاء حتى فقدت البصر!

كانت ارجلنا تهتزّ تحتها الجبال ، أصواتنا تُغرّد كلمات تقف الأمم جمعاء لسماعها …

قسما يا بلادي لنحرقن الأرض تُخرِج دُخانا و رمادا.

قسما بعيون الثكلى و الوجع  لنُريَ الارهاب ارهابا.

كنّا فتيانا فخورين بحماستنا و قوّة شبابنا و بأسنا ، لم ينل منّا يومها لا التعب ولا طول المسافة! كان الخوف نفسه يهابنا في ذلك اليوم، حتى لحظة أن داست قدمي لغما حاقدا انفجر تحت قدمي فرمى بي في أقل من ثانية أسفل الوادي،لربما كانت كافية بلقاء أبي و بكل شهيد مرّ من هنا لولا ستر الله لي في ذلك اليوم! نُقلت إلى المستشفى ، جروحا و كسورا و دما ثائرا.. بُترت- إثر ذلك الحقد- ساقي اليمنى مع كسور من الدرجة الثانية في كامل جسمي، عُدْتُ خائبا إلى بيت جدّي أُنشد أغنية الحزن و فعل الطاعون بي…

-آسف أمي لم اثأر لأبي، قد ذُبح و بترت ساقي!

-آسف وطني قد اُغتصبتْ جارتي و بترت ساقي!

-آسف حبيبتي قد غُيِّب الحبُّ عنّا فبترت لأجله ساقي!

-آسف أختي قد جرّدوك من طفولتك فبترت ساقي!

-آسف معلمتي قد اخلفوا الجهل مكان حرفك و بترت ساقي!

-آسف صديقي احرقوا المقهى مكان لقائنا لتبتر ساقي!

-آسف أمي قد بترت ساقي!!

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

حبيب درويش

روائي جزائري مقيم بفرنسا، صدرت له روايتين باللغة العربية، هما: «حب افتراضي» و«رحلة مع الجن» عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة.
حبيب درويش

حبيب درويش

روائي جزائري مقيم بفرنسا، صدرت له روايتين باللغة العربية، هما: «حب افتراضي» و«رحلة مع الجن» عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق