ثقافة وفنون

جمجمة رقم 5940

-لا ترحل بني،اشتقت لرائحتك الزكيّة! أنا عمك الشريف بوبغلة !

باريس تلك المدينة الرائعة التي بُنيت على أنقاض مناجم الجبس الكبريتي منذ العصور الوسطى، هاته الأخيرة التي أصبحت سراديبا للرُفات والجماجم المكدّسة بها، مدينة تحت باريس على طول  300كيلومتر وعمق 30 مترا تحت الأرض، هي مقبرة الباريسيين الفقراء الذين ماتوا منذ قرون فوق أرضية مقابر جماعية بلا دفن لكثرتها، لم يكن لهم المال الكافي لشراء مقابر فردية، ماتوا مجهولي الهوية، لتُجمع و تكدّس تلك الجماجم – التي بلغ عددها 6ملايين جمجمة – تحت باريس بعد أن أقيمت لهم الشعائر الدينية، أما فوق باريس فهناك قصة أخرى تهمنا أكثر،  قصة جماجم غير باريسية مرقّمة داخل متحف الانسان بباريس، فعندما تدخل هذا المتحف تغمرك رائحة الريف والطين المبلّل بمياه قد تكون حمراء فاخرة، أكيد ليست رائحة طين باريس و لا اريافها الباردة، لتتقدم إلى داخل المتحف فتجُرّك الرائحة إلى الطابق الارضي و كأنك في فلم رعب، لكنه رعب من التاريخ.تنزل فتجد هياكل ديناصورات و تكتشف لأول مرّة أن للاجنّة هياكل عظمية و هي في شهرها الخامس أو الثامن، لكن لا وجود لجماجم الانسان؟ رغم أن الرائحة ما زالت تغمرك و قد تّسبب لك حساسية من التاريخ الإنساني كله! لتنتبه فجأة لوجود غرفة مُنعت عن الزائرين فيثُور تطفّلك لتّخرج مبلغا محترما من اليورو و تعطيه للحارس فيسمح لك ب10 دقائق فقط ،تزداد الرائحة تركيزا ،تنظر من حولك فلا تجد إلاّ مكتب و أوراق مبعثرة تُحيط بها خِزانات حديدية مشفّرة تنبعث منها تلك الرائحة غير الباريسية.

فجأة تُفتح إحدى تلك الخِزن فيخرج منها جماجم مرقّمة موضوعة على لوح جرّار! يقشعر جلدك من المشهد فتهرع هاربا ،ليستوقفك صوت صاحب الجمجمة المرقّمة تحت 5940 ..

-لا ترحل بني،اشتقت لرائحتك الزكيّة! أنا عمك الشريف بوبغلة !

تندهش عند سماعك الصوت و الإسم!! أكيد إذا كُنت قد وصلت إلى هذا المكان فأنت تعرف جيدا هذا القائد الذي يمثل التاريخ المنسي ،تاريخ ما قبل 1954م!

-ألم يحن الوقت بعد يا بني لدفننا على أرضنا؟ إنّكم تمنعُوننا الجنّة! فشرط دخول الجنّة أن يُكتب التاريخ المنسي كله و إلاّ حلّت عليكم اللعنة!

تعده بإيصال صوته إلى الحكومة المعنية ،لتخرج مُسرعا من الرعب التاريخي الحاصل، تأخذ أنفاسك بالخارج لكن سؤالا يلحّ عليك ..-لماذا جُمجمة عمي بوبغلة الشريف و أصحابه ما زالت قابعة هنا في كرتون ورقي تنتظر دخول الجنة؟!

-لماذا الحكومة المعنية لم تطالب لحد الآن باسترجاعها ؟!

هنا أكيد سوف يسكنك هاجس مخيف آخر..ماذا لو أُلحقت الجمجمة رقم 5940  بالجماجم المكدّسة تحت باريس الجميلة؟!

فيمحى الرقم و يختفي معه كل ذلك التاريخ المنسي!!

فجأة يأتيك الجواب من حيث لا تدري..

-يا بني الحكومة – صاحبة الجمجمة الاصلية – التي تحمل همّها لم تحكم يوما منذ استقلالها إلاّ بالشرعية النضالية لما بعد ثورة 1954م، أمّا ما قبل هذا التاريخ قد يزعج مصالحها و مصالح حكومة باريس أيضا.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

حبيب درويش

روائي جزائري مقيم بفرنسا، صدرت له روايتين باللغة العربية، هما: «حب افتراضي» و«رحلة مع الجن» عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة.
حبيب درويش

حبيب درويش

روائي جزائري مقيم بفرنسا، صدرت له روايتين باللغة العربية، هما: «حب افتراضي» و«رحلة مع الجن» عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق