مساحة للاختلاف

في ذكري ثورة يوليو.. ماذا جنت شعوبنا من الثورات؟

انفجرت دفعة واحدة أو في تسلسل مريب وفي منطقة محدّدة تعتبر عصبًا اقتصاديًا رئيسيًا

لا أنسى في إحدى الحلقات وكنت أحاول عمل كشف حساب حقيقي لما للثورات وما عليها وقلت أن ثورات الربيع العربي تشترك في أسباب عميقة مؤدية لاندلاعها ومتمثلة في إحباط بعض الشعوب نتيجة غياب الديمقراطية والحرمان من الحقوق الأساسية ومن الحريات الفردية، بالإضافة إلى تدهور الظروف المعيشية وتنامي الفساد وانعدام العدل الاجتماعي…هذا لا يعني أن بعضّ الدول الخليجية التي ساندت هذه التحركات الشعبية ماديا وإعلاميا ورعتها وسيطرت على قادتها الجدد تعيش الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بل كلّ ما في الأمر هو أنها مأمورة ضمن أجندات أملتها ماما أمريكا خدمة لمصالحها الضيقة دون سواها ولذلك نجت دول الخليج العربي من الثورات العربية.

فحتى عملية توصيف الثورات العربية بالربيع يحمل ضرورة معاني سياسية إذ غالباً ما يستخدمه الغرب بانتقائية ليسبغه على الحالات التي توافق معاييره الخاصة، إذ لا أحد على سبيل المثال أطلق وصف الربيع على الثورة الإيرانية في عام 1979 التي أطاحت بالشاه لأن هذا الأخير كان حليف أميركا وبالمثل لم نسمع عن الربيع الفلبيني على الرغم من أن الشعب أطاح بالديكتاتور فرديناند ماركوس الذي رعته أميركا ….

ما إن بدأ السيناريو التونسي يُسْتَنْسَخ في مصر وبعدها في ليبيا وسوريا حتى تأكّد لي ولغيري أنّ ما تشهده المنطقة ليس ثورات شعبية وطنية ديمقراطية ، بل هي انتفاضات شعبية مُوَجَّهة مِن الخارج لخدمة مخطّط وأجندات خارجية ، ذلك أنّه من الكوميديا السوداء أنّ الاستنساخ شمل حتى تفاصيل صغيرة نسبيا كالقناصة وإطلاق النار من سيارات الإسعاف وخلافه.

وجاءت النتائج مستنسخة في كامل منطقة ربيع الثورات العربية و متطابقة ما عدا النهاية التي اختلفت من دولة إلى أخرى فزين العابدين بن علي تم خلعه ونفيه إلى السعودية وحسني مبارك تمت تنحيته والزجّ به في السجن وعلي عبد الله صالح تم تعويضه بنائبه بعد تشويهه ومعمر القذافي تم قتله وسحله بطريقة غير إنسانيّة…

أمريكا تسعى إلى الإبقاء على هيمنتها على الاقتصاد العالمي كوسيلة للسيطرة على النظام السياسي العالمي…. حيث نشهد اليوم عملية تدميرية منظمة تقوم بها أمريكا وحلفائها تهدف في المحصلة إلى تخريب النظام السياسي والاقتصادي العالمي. ونحن نسأل من أين للولايات المتحدة هذا المستوى المعيشي العالي رغم الأزمات ؟

إنّ الولايات المتحدة قلقة من انخفاض قيمة الدولار، وإذا استمر بالتدهور فإنّ واشنطن ستفقد قوّتها وتفوّقها ولذلك تسعى إلى زعزعة الاقتصاد العالمي وجرّه مجدّدا لكي يكون عبدا للدولار، ولكي يبقى العملة القوية الوحيدة في العالم… وتسعى أيضا إلى إدامة القروض الأمريكية ولتحقيق هذا الهدف يتعين إشعال فتيل الحروب فالحربان العالميتان الأولى والثانية خلقت القوة الأميركية وجعلتها مهيمنة واليوم لم تفلح محاولات واشنطن لجر الكوريتين إلى الحرب ولا هي أفلحت في جر الهند وباكستان إلى المواجهة …وهنا تلجأ الولايات المتحدة إلى الخيار الاحتياطي، أي زعزعة الاستقرار وإشاعة الفوضى في العالم العربي الغني بالثروات والطاقات.

ويمكن عبر الانترنت التحريض على العصيان ولكن كي تتحقق الثورة يجب أن يراق الدم ويتساقط القتلى في الشوارع, وإذا لم تطلق السلطات النار على المتظاهرين فإنّه يجب مساعدتها في ذلك, والدليل على كلامي هذا أحداث ماسبيرو. .والتي أكد فيها مراسلنا وبعض شهود العيان أن أول طلق ناري كان من فوق كوبرى أكتوبر لإحداث حالة من الفوضى ، ليقال أن الجيش المصري يصطدم ليس فقط بالمدنيين ولكن بالاخوة الأقباط المتظاهرين وقتها أمام ماسبيرو وهذا هو الملف الأخطر، لولا إرادة الله وحكمة قيادات ورجال القوات المسلحة البواسل اللذين استطاعوا أن يفوتوا على أعدائنا الفرصة، وهذا ما حدث

ومن خلال قراءتي المستمرة لأنماط ثورية مختلفة وجدت أنه سنة 2002 نظّمت المخابرات الأمريكية “سي.اي.اي” انقلابا عسكريا على نظام الرئيس “هيقو تشافيز” مسبوقا بمسيرة معارضة اتجهت صوب القصر الرئاسي .. زمنها انتشر وتمركز عشرات القناصة الأجانب المأجورين في أبنية قرب القصر و فتحوا النيران على المحتجين والمتظاهرين مودين بحياة ثمانية عشرة منهم. وبعدها مباشرة ادّعت وسائل الإعلام الدولية و الفنزويلية أنّ الرئيس شافيز كان يقتل شعبه و لهذا برّر الانقلاب العسكري على أنّه تدخل إنساني… فشل الانقلاب لكن لم تذكر أبدا هوية القناصة…

وقائمة الثورات الموجهة عن بعد بواسطة” الريموت كونترول” لا تحصى ولا تعدّ خصوصا وأنّ أمريكا كانت تتعامل مع دول العالم الثالث وكأنها لعبة شطرنج تحرّكها حسب أهوائها وأهدافها ..

ذكرت شبكة “س.ان.ان.” في 2011 أنّ عصابات مسلّحة كانت تقاتل قوات الأمن التونسية و الكثير من الجرائم التي ارتكبت خلال الانتفاضة التونسية كانت على يد “قناصة مجهولين”و كان من الواضح أن أولئك المرتزقة يحملون بنادق قناصة ادعوا زمن القبض عليهم أنّهم سيّاح قدموا إلى تونس لصيد الخنزير والحال أنّ البلاد كانت في فوضى عارمة يتجنبها السياح إضافة إلى أنّ الفترة لم تكن مناسبة لصيد الخنزير ووسط العاصمة بالذّات. كما بثت محطة “روسيا توداي” مقالات كتبها عديد الخبراء  التي تظهر كيف أن الانتفاضات في شمال إفريقيا كانت خاضعة لنماذج الانقلابات التي تدعمها أميركا أكثر من كونها ثورات شعبية حقيقية

و بشعاراتهم الثورية و إصرارهم المتعجرف على اعتبار الأحداث في تونس و مصر عفوية و انتفاضات شعبية

والمؤكد أنّ تورّط الاستخبارات الغربية أمر لا يمكن استثناؤه و يجب الإشارة إلى أن دور القناصة المجهولين في المظاهرات الجماهيرية لا يزال معقّدا و له عدّة أوجه لذا يجب عدم القفز مباشرة إلى الاستنتاجات و يبقى السؤال من كان أولئك القناصة في مصر و أي هدف كانوا يخدمون؟؟؟

ففي ليبيا وخلال عملية زعزعة استقرارها،بثت إحدى القنوات شريط فيديو يهدف إلى عرض المتظاهرين السلميين(المؤيدين للديمقراطية) وهم يصابون بنيران (قوات القذافي)… لقد تم تعديل الفيديو لإقناع المشاهدين بأن متظاهرين معادين للقذافي قتلوا من قبل قوات الأمن…. و لكن نسخة غير منقحة متوفرة على موقع “اليوتوب” تظهر بوضوح مؤيدين للقذافي يحملون الأعلام الخضراء و قد أصيبوا بنيران قناصة مجهولين …وما يمكن ملاحظته أنّه خلال الثورة الليبية وعلى خلاف ثورات تونس ومصر خرج ما يسمى بثورات الربيع العربي الصهيوني برنار ليفي هنري من الخفاء وباشر بنفسه الإشراف على مجموعات الموت المرتزقة التي انتشرت في كامل ليبيا.

وفي اليمن وبعد خطاب علي عبد صالح الذي جاء فيه أنّ اليمن ليست تونس خرج شباب اليمن في مظاهرات عمّت البلاد تنديدا بالأوضاع الاقتصادية والسياسية وتحت الضغط قبل الرئيس صلح بالتنحي لنائبه هادي وفي المقابل وعد الاتفاق صالح ومساعديه بالحصانة من الملاحقة على الجرائم المرتكبة أثناء فترة رئاسته وبعدها هدأت المظاهرات التي استمرت ثلاثة عشر شهرا مخلّفة قتلى وجرحى بالآلاف…. زمنها شفعت أمريكا لحليفها صالح وأفردته بترك السبيل بعد أن شوّه خلقيا نتيجة إحدى الانفجارات.

وفي سوريا تعرض الشّعب السوري لهجوم فرق الموت و القناصة منذ اندلاع أعمال العنف والشغب ، و قتل أكثر من 70 ألفا من المواطنين والجنود و رجال الأمن السوريين و تعرضوا جميعا للتعذيب و التشويه من قبل مقاتلين من عناصر مجهولة ومع هذا استمرّت وسائل الإعلام العالميّة بنشر الكذبة المثيرة للشفقة القائلة بأن الموت سببه ديكتاتورية نظام بشار الأسد… فالكثير من الجرائم المنسوبة للجيش السوري ارتكبتها عصابات جهادية مسلحة غرّر بأغلبها ، مثل رمي الجثث المشوّهة في نهر  العاصي بحماه، و الذي قدّم للعالم على أنّه دليل إضافي على جرائم النظام السوري… الحقائق على الأرض تظهر أنّ معظم الشعب في سوريا يؤيد نظام بشار الأسد ….ولا أنسى برنامج. ..سوريا الحرة الذي كنت أقدمه في ذلك الوقت واصرت إدارة القناة أن أظهر الموقف على أن هؤلاء ضحايا مدنيين قتلهم جيش بشار الأسد، إلا أنني أشهد الله بأنه جاءني يقين بالعكس وهو ما أكده الدكتور ياسين السمالوسي قائد الثورات العربية وكان ضيفاً معي في الحلقة وقتها، فقلت وما دليلك قال كلمة الله أكبر، مكملا حديثه بأنه في عرف الثورات يقال الله اكبرعندما ينتصر المدنيون على أفراد من الجيش بزعم الثوار. وهنا أنا لا أدافع عن مجازر بشار، ولكن لابد علينا أن أذكر المواطن العربي بالمشهد من بدايته وليس من آخره.

وبخصوص الثورات الأخيرة في المنطقة العربية فإنّه توجد أسباب موضوعيّة لاندلاعها لا يمكن إنكارها او إغفالها , فهذه البلدان تواجه صعوبات اقتصادية وسياسية حقيقية ولكنّ اللاّفت للنظر أنّ الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا انفجرت دفعة واحدة أو في تسلسل مريب وفي منطقة محدّدة تعتبر عصبا اقتصاديا رئيسيا في العالم , هذا التزامن المريب ليس وليد الصدفة…. ولكي يكره الشعب حكومته وليثور على حكّامه من الواجب إراقة الدماء …ولأنّ السلطات تستخدم عادة العنف المادي باستعمال العصي والهراوات والغاز المسيل للدموع أو خراطيم المياه فإنّ ذلك لن يساعد على تفاقم المواجهة… وبالتالي فإنّ ظهور قناصة ملثّمين مجهولين على سطوح المباني العالية وهم يطلقون الرصاص علي المتظاهرين والمحتجين لينجحوا في إصابة بعضهم بمقتل سيمكّن من إشعال الوضع …..

لم تكن الثورة العربية بمثابة خطإ، ولكن القضايا العادلة لا تضمن الانتصار دوما…..خصوصا إذا تأكّد لنا بأنّ “ماما أمريكا” تتخلى عن حلفائها بمجرد فقدانهم لثقة شعوبهم وتسارع إلى إزالتهم من الخارطة بذات الطريقة او المسرحية لاعتقادها بأنها أصبحت أنظمة مستهلكة من الواجب تعويضها بأخرى جديدة أو متجدّدة … والحالة تلك يتعين على الثوار الأحرار أن يدركوا أن المعركة الناجحة هي أيضاً معركة ذكية تتطلب روحا ثورية متجدّدة تستمدّ قوّتها وصلابتها من شرفاء البلد وأحراره دون سواهم بعيدا عن المزايدات والإملاءات …..وبعد هذا كله هل أصبح جلياً للجميع أننا كنا نساق وراء أجندات ومخططات صهيو أمريكية لتنفيذ فكرة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير. …..مش كده ولا ايه. ..؟

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

إبراهيم التحيوي

إعلامي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.