مساحة للاختلاف

حراك التغيير بين ثنايا السلم هو الأمن والأمان

الحقيقة أنّ المشهد لم يتغير كثيرا عندما اخرجناه عندنا اليوم رغم رحيلهم بقرون!

يُذكّرنا حِراك التغيير في دُولنا اليوم، بأهل الأندلس في آخر عهدهم بالعزّ قبل التسليم الأخير، خاصّة طبقة الفقراء التي كانت تمثل السواد الأعظم من سكانها حين تفشّى الظلم و الفقر، الذين كانوا يفتقرون حينها لقوتهم اليومي فضاقت بهم السبل،فكانت هي الطبقة الأكثر تهيؤا للمطالبة بالتغيير من غيرها و أكثرها تأثرا بالأزمات، فمستوى دخلها كان مُتدنٍ، و البونُ شاسع بين مستواهم المعيشي و حياة أمراء الطوائف و حاشيةٌ رُعانٌ،الذين حتّى وهم يجرّون اذيال الخيبة و العار -حين باعوا اوطانهم- كانوا يسحبون و يجرّون معهم كنوزهم المُهرّبة من عرق الشعب.

الحقيقة أنّ المشهد لم يتغير كثيرا عندما اخرجناه عندنا اليوم رغم رحيلهم بقرون! أظن أنّ فيروس اللصوصية و التفاهة كان قد انتشر و استفحل عندنا بعد هذا الإخراج غير الموفق، إذ كان حكّامنا ،حكام (الطرائف) عندنا لا يفقهون في الإخراج غير مسلسل (علي بابا و الاربعين حرامي)!فلماذا زيّفوا إخراج تاريخنا و حقائقنا كُلّها بلا وازع أخلاقي و لا إنساني حتى المُسَلّمات منهم لم تسلم.

أين فقراءنا من هذا الاخراج الفاشل الذي لم يرحمهم و لم يُنصفهم يوما حين نرى طبقة كبيرة من مجتمعاتنا تقتات من المزابل و تتسوّل أمام المساجد يوميا حتى في رمضان،شهر الرّحمة و التضامن!

إن كان فِعلَ أمراء الطوائف -في ما فعلوه سابقا- قد هَرَّبُوا الكنوز لكنّهم هَرَبُوا كذلك!! أمّا أمراء و حكام السوء عندنا-حقيقة هرّبوا الكثير و الكثير -لكنّهم لم يهربوا و لم يرحلوا يوما و لحد الآن، إلاّ من رحل الرّحلة الأبدية.

إن كانت شعوبنا من قبل راضية مُحتسبة لوضعها المُزري، مُنطلقة من إيمانها بما كتب الله تعالى عليها ، فإنها اليوم -بفضل الله و إرادتهم- تقود حراك الكرامة -إيمانا منها كذلك- أنّ وضعها المأساوي هذا ليس بعادل في بلدان يتصدّق فيه الرؤساء- ولّات أمورنا- على شعوب أخرى بمسح ديونها و منح الغاز لها مجّانا، في حين يُرغِمون المسكين عندهم على تقبّل المرض و طلب الشفاء وقت التسول- و كل الأوقات إن أمكنهم ذلك- يضطرّونهم على تقبُل التعامل بالرّبا و صوم العام كلّه أو التقشف سنينا عُجافا!.

الأندلس سقطت عندما انقلبت الموازين الربّانية عندهم، و ها هي قد انقلبت عندنا منذ سنين حين صار- لصوصنا المحترمين- يعبثون برزقنا منذ أن حرّرََنا الأوّلون، فعُدنا اليوم عبيدا بعد حرّية،كل هذا لجشعهم و لخوفنا الأعمى كذلك، يتصدّقون علينا من مالنا و يُخوّفُوننا لسنوات من أُمّنا الغولة التي هي في الأصل أمّهم.

حِراكنا اليوم باسم الحرّية و العدالة الاجتماعية،لأجل العلم و الأدب، حراك يُغنينا التسوّل و نحن أغنياء أهل الأرض، قرّرناه نهجا سلميا أصيلا لأجل سلامة الوطن، سلامٌ تربّى عليه أجدادنا الأوّلين حين تعلّموه بين زوايا الزّوايا و الكتاتيب القرآنية،حين تعلّموا أنّ الوطن حبٌ و سلام ثم تعايشٌ، و ثلاثتهم لا يتّفقُ و حكم اللصوص، نريد بالحراك تغيير وضعنا المُخزي في كلّ المجالات، فالجهل قد سكن عقولنا و لا نجاة لنا منه إلاّ إذا حررناها من الخوف و حالة الانتظار المُملّ، و لن نسقط بإذنه تعالى كما سقطت الأندلس يوما.

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

حبيب درويش

روائي جزائري مقيم بفرنسا، صدرت له روايتين باللغة العربية، هما: «حب افتراضي» و«رحلة مع الجن» عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة.
حبيب درويش

حبيب درويش

روائي جزائري مقيم بفرنسا، صدرت له روايتين باللغة العربية، هما: «حب افتراضي» و«رحلة مع الجن» عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.