مساحة للاختلاف

الحزبيات الإسلامية بين فلسفة الاستحسان ومناهج الأسلمة

وحينها أدرك أفلوطين السكندري تلك الإشكالية وسعى حينها للرد على المعتزلة

عندما تحدثنا عن مناهج التيارات الحزبية الإسلامية وتجاوزنا نقد المنهج القومي إنما الغاية من ذلك معالجة الخلل في الأقرب فالأقرب لاقترانه بالواقع ولكونه مدخلا من مداخل فتح الذرائع وليس سدها وغالبا ما يدخل الشيطان باب التدين من مدخل الاستحسان؛ هذا المنهج الذي حصره العلماء بالأمور الدينوية من خلال رفضهم استخدامه في طقوس العبادات وقضايا التشريع وصرح الشافعي  في كتابه الرسالة بقوله ” ومن استحسن فقد شرع، والاستحسان باطل، وإنما الاستحسان تلذذ ولو جاز لأحد في الدين لجاز ذلك لأهل العقول ومن غير أهل العلم ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعا”

الإمام الشافعي مؤسس علم الأصول الفقهية يرى أن أمور التشريع تحتاج إلى الاستدلال وقياسا على المتشابه فإن القياس هو الأصل في المقاربة وليس الاستحسان مقبولا وإن أشار إليه الآمدي  -في كتابه الأحكام- وفقا لإفهامة أنه مصدر من مصادر التشريع، حيث أن بقاء النص والعودة إليه هو معيار المحاججة لأن الناقل في الأغلب ينقل بفهمه حيث وقف على ما فهمه من تذييل الخبر عن الشافعي القائل أيضا في كتابه الرسالة ” أن حراما على أحد أن يقال بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر”  وفي موضع آخر “إنّ حلال الله وحرامه أولى أن لا يقال فيه بالتعسف ولا الاستحسان أبداً، إنّما الاستحسان تلذذ، ولا يقول فيه إلاّ عالم بالأخبار، عاقل بالتشبيه عليها” وقد خصص له فصلا في كتابه الأم يقول ببطلانه وبذلك اعتبره الإمام الغزالي في كتابه المستصفى وهما وخيالا وخلطا وهوسا..

على طريقة الاستحسان كأحد المناهج العقلية ابتدعت الطوائف الدينية تشريعات جديدة في العبادات وأضافت إليه وسيلة التلفيق بالنسبة للاستشهاد من أجل بناء الوهم الموضوع في إطار الاستحسان وذلك بالرجوع إلى مرجعية في الدين.

على هذه الطريقة وبهذه المنهج نشأت طرق الأسلمة التي ابتدعها المفكرون الإسلاميون أو الأصوليون وعلماء الدين الذين استحسنوا الظهور في تعاضدات مع متخصصي فنون الدراسات الغربية؛ حيث يندرج الاستحسان تحت إطار الرأي والفلسفة العقلانية التي تتطوع النصوص لفقه الواقع.

ونظرا لشيوع ثقافة الاستحسان بين الناس ومنهجية لدى النخب القائمة عليه فقد أشكل عليهم التمييز بين الاستحسان الذي مصدره الرأي والقياس الذي مصدره النص بأوجه منهجية تعتمد الطرق المؤدية إلى المناطات المطلوبة، ومن ثم فإن الاستحسان من أهم محركات الفكر والتدوين لدى المعتزلة وأقرب المناهج التي تربط الفلسفة بالنص في إطار ما يعرف بالفكر الغنوصي الذي تتماهى فيه النصوص في العقل، أي النصوص التي تمنح العقل شرعية النص وتقدمه عليه، حيث يعتبر الفكر الغنوصي هو أول علوم الفكر اليهود التي استخدمت للجمع بين فلسفة اليونان ونصوص التوراة، حيث كان الصراع بين علماء اليهود ومثقفي اليونان  تحت إطار الدولة الرومانية وكانت من أبرز صراع الأقليات داخل الإمبراطورية.

وحينها أدرك أفلوطين السكندري تلك الإشكالية وسعى حينها للرد على المعتزلة بحجة الدفاع عن التوراة بالمناهج اليونانية العقلانية من باب الاستحسان بالرأي ودعمه بنصوص التوراة لضمان التفوق اليهودي كثقافة وعنصرا إلى الثقافية اليونانية وعنصريتها البيولوجية.

ومن ثم سعى متأسلمو التيارات الحزبية الإسلامية ومنظريها ومفكريها الليبراليين والعلمانيين من نفس هذا الباب لأسلمة الديمقراطية والعلمانية والثورة السلمية وتناولت كتاباتهم مقاربات مختلفة ومتنوعة وعلى أساسها وظفت النصوص الدينية لتبرير الانتخابات والحزبية وإخراج النساء وتوظيفها بالعمل بالسياسي وغيرها من المخالفات الشرعية التي تتنافى مع واقع المجتمعات العربية عقلا ونصا وعرفا..

وقد ترتب على مذاهبهم في الاستحسان تدمير بنية العقل العربي في إشكالات فقهية على غرار إشكاليات الفلسفة الغنوصية التي أعيدت تتويجا لما ذهب إليه أفلوطين في تأصيلاته الدينية كمنهج معتمد أقرته المسيحية بأحد أعلامها الأكثر تأثير في الفكر المسيحي الواقعي المعروف بـ “أوغسطين” ومن ثم أصبحت فكرة المصالح الدائمة ضمن مفاهيم الرؤية السياسية الغربية والقائمة على ثقافة الاستحسان العقلية ومن أهم موضوعاتها السياسية التي تتعارض مع الثوابت الدينية أو المبادئ العامة للديانة.

وأبلغ تفسير وأكثره وضوحا ما عبرت عن المدرسة الواقعية الغربية بحديث مفكريها ومنظريها السياسيين “هنري كسينجر مثلا” ليس هناك مبادئ دائمة في العلاقات الدولية وإنما توجد مصالح دائمة” وهي النظرية التي تحدد نمط العلاقات بمنطقة الخليج والعالم العربي.

وانطلاقا من واقع التنظير والفلسفات النظرية فقد أصبحت النصوص الدينية وفقا لمدرسة الأسلمة العربية المعاصرة قائمة على قاعدة الاستحسان الباطل وغيرها من القواعد المنهجية التي أصلوها ودافعوا عنها كقواعد سنتناولها في مقالاتنا القادمة ضمن مشروعنا الحضاري في نقد المناهج العربية الإسلامية والقومية.

وبناء على هذه القاعدة العقلية حدث التقارب العميق بين التيارات الإسلامية الحزبية في اليمن ومصر وتونس وتيارات الفكر القومي الذين كانوا قد سبقوا التيار الإسلامي في التوفيق بين هذه المصطلحات لكن من باب أو مدخل السياسة وليس من مدخل التشريع الإسلامي مما يعني أن ضرر القوميين في الدين أقل ضررا من الإسلاميين التبريرين أو التوفيقيين.

وأما ضرهم وتغليب فسادهم على فساد القوميين فقد أتيت به من باب قياس التجارب التاريخية وذلك بالعودة إلى التاريخ الإسلامي التي حضرت فيه نظريات الفلسفة للفارابي وابن سينا والكندي المراجع الرئيسية للفكر القومي المعاصر، وصاحبها وسبقها في لك الفكر الغنوصي فيما يعرف بمدارس المعتزلة المختلفة التي جمعت على قاعدة الاستحسان بين العقل والذوق والمنطق اللغوي؛ حيث نجد أن ضرر المعتزلة كمدرسة أدى إلى الإفساد السياسي للسلطة التي بدأت مع استبدادية المأمون وأخلافه المعتصم والواثق وانتهى بزوال الدولة العباسية بموت المستعصم.

أما الضرر الاجتماعي فقد ترتب عليه دخول مختلف النحل والطرق والزوايا الدينية التي وجدت من باب الاستحسان طريقا لادماج العقل الاجتماعي بمثل هذه النظريات والفلسفات والعشوائية وهو ما أدى ارتفاع المعتقدات النقية عن الواقع الاجتماعي بحلول مدارس الرأي والاستحسان.

وعسكريا فقد أثرت هذه التيارات على واقع الحياة السياسية والذي ترتب عليها انحسار قاعدة الأمن الكلي للمجتمعات وتفكيك المجتمعات من داخلها بصراعات داخلية بين الإمارات وبين مكونات العباسية والتي أدت على قتل الأمين وسيطرة المأمون بالإضافة الى صراع الإمارات والسلطنات بعد ذلك.

ومن جهة أخرى أصبحت الفتوحات العسكرية هي معيار الشرعية الاجتماعية ومن هذا الباب اعتبرت تركيا بفتوحاتها دولة شرعية انطلاقا من دورها عسكريا وقبول ذلك اجتماعيا مما أدى إلى إحلال ثقافة الاستحسان الاجتماعي كمعيار لقبول السلطة الشرعية وترتب عليها اندارس المعتقدات الصحيحة.

وبناء على ما أسلفته من مقاربات مقالية مختصرة لمؤلفات نقدية لمفاهيم الأسلمة وأطرها الحضارية فإن تيارا الإسلامي السياسي القابعة تحت أطر السنة والتشيع يمكن توصيفها كامتداد لأفكار الفلاسفة والمعتزلة والخوارج، وبذلك تعتبر قاعدة الاستحسان من أكثر الأصول الاعتبارية لتأصيلات تيارات الأسلمة.

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور جمال الهاشمي

رئيس مركز الاصباح للدراسات الحضارية والسياسية والاستراتيجية
الدكتور جمال الهاشمي

Latest posts by الدكتور جمال الهاشمي (see all)

الدكتور جمال الهاشمي

رئيس مركز الاصباح للدراسات الحضارية والسياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.