ثقافة وفنون

الشعرُ بينَ الغرابةِ والابتكارِ

تلكَ الدعوىٰ التي لا تنهضُ حُـجَّةً ولا يقومُ بها دليلٌ يقطعُ بضرورتِها

نَـحمدُ اللَّٰهَ -تعالىٰ- من الحمدِ أسناهُ، ونشكرُه من الشُّكرِ أعلاهُ وأسماه، وصلاةً وسلاماً علىٰ نبيِّه ومصطفاه، المنخبِ من خيرةِ العربِ، والمُجتبىٰ من بينِهم من كرامهم النُّجب، ذوي العرقِ والأرومةِ والنسبِ، وبَـعـــــــدُ

فإنَّ ابتداءنَـا بعضَ ما انعقدَ تحتَ لواءِ مقالاتِنا من شواردِ المعاني، وأوابدِ المباني في النقدِ واللُّغةِ بِـبعضِ أدواتِ التوكيدِ وآلاتِ التحقيقِ لم يكن عبثاً ننثرُه علىٰ هامشِ الألواحِ البيضاءِ، بل طلباً لتقريرِه في نفسِ القرَأةِ للإذعانِ له والتسليمِ به من خلالِ عرفانِهم بأنَّا سُقناهُ استقراءً من فنونِ العربِ المتنوِّعةِ موضوعِ البحثِ، ومن ذلكَ ما نحنُ آخذونَ بِعِنانِ الكلامِ عليه هاهنا ممَّا تُشنَّفُ لهُ الآذانُ، وتخشعُ لهُ مُعطَّلاتُ الأذهانِ، لفرادتِه وقِلِّةِ الناظرينَ – من أهلِ زمانِنا – إليهِ والمُدقِّقينَ فيه؛ معَ شدَّةِ الحاجةِ إليهِ في تقييمِ الآثارِ المنظومةِ -الشعريةِ- وتحديدِ مساراتِها بينَ نظائرِها من المنظوماتِ الأُخرىٰ من بناتِ جنسِها .

وكانَ الباعثُ لنا علىٰ توثيقِ عُـراها، وارتقاءِ ذُراها، ومنحِها حقَّها وسناءها وثناه، وتحمِّلِ مشاقِّ تحليلِها وتفصيلِها وتجليتِها للنُّظارِ، وتعريةِ حقائقِها لمعارجِ الأفكارِ، تلكَ الإلهاماتِ التي راودتني مذُ انبرىٰ أُستاذُنا العالمُ الأجلُّ “عبد الرحمن عبد السلامِ” للتصدِّي لها في بعضِ مقالاتِه التي وسمَها بغرابةِ الشعرِ، ومن حيثُ كانتْ البداياتُ شارحةً موضحةً للخواتيمِ والنهاياتِ اشترعتُ برسمِ الطريقِ للمُتلقِّينَ بوضعِ العنوانِ كونَاً من الموضوعِ المطروقِ ليشملَ ما ذكرهُ النَّقَدةُ وما سأذكرُه حيالَ هذا بِـبيانِ العللِ وإظهارِ مواقعِ الخللِ – إن وُجدَ – فقلتُ مستعيناً بجاهِ ذي الجاهِ، متوكِّلاً علىٰ مَـن لا مولىٰ لنا سواهُ:

١- إنَّ ما ابتذلَه المحقِّقونَ من المُتقدمينَ في نقدِ الشعرِ العربيِّ من أمثلةِ (ابنِ قُدامةَ، والمفضَّلِ الضبيِّ، وأبي تمامٍ، وأبي الحسنِ الآمديِّ، المرزُبانيِّ، والجاحظِ) ومَـن شقَّ مِن بعدِهم دروبَهم من النَّقَدَةِ، يُعدُّ في بابِه اللَّبنةَ الأُولىٰ في صرحِ البناءِ النقديِّ للشعرِ العربيِّ عامةً، ثمَّ في جانبِ الابتكارِ والتجديدِ في معانيهِ وطرائقِ تكويرِها وتحويرِها والتّخلُّصِ منها إلىٰ مُعيَّناتٍ حديثةٍ تضاجعُ العصرَ وتطأُ بأخامصِها أفهامَ الناسِ ومجاري حيواتِهم فيه خاصةً .

٢- هذا ما دعاني إلىٰ القولِ بالافتنانِ المُتعمَّلِ في ابتكارِ مُصطلحٍ ذي جِـدَّةٍ لم تكن في الأمرِ حاجةٌ تطلبُه ولا تدعو إليهِ ألبتَةَ سوىٰ الرغبةِ في الانفرادِ به لتسويغِ ادِّعائهِ لمن قالَ بُـه من جِهتِه أو من جهةِ مُريدِيهِ .

تلكَ الدعوىٰ التي لا تنهضُ حُـجَّةً ولا يقومُ بها دليلٌ يقطعُ بضرورتِها -أعني الاصطلاحَ علىٰ التوظيفاتِ الجديدةِ للمعاني اللُّغَويةِ والأساليبِ المُبتكرةِ في داخلةِ المنظوماتِ الشعريةِ- بالغرائبيةِ من مُنطلقِ كونِ الغرابةِ تعني مخالفةَ المألوفِ، أو انتهاكَ المعروفِ، أو انطباقَ دارجِ الصفاتِ علىٰ غيرِ ما اعتيدَ من الموصوف، والأَولَىٰ الانصياعُ للتعبيرِ عن ذلكَ المفهومِ شائعِ الاستعمالِ عندَ النَّقَدَةِ القُـدامىٰ بِــ” الابتكارِ والتجديدِ الشِّعريِّ” لغزارةِ نواتِجِهِ، واضمحلالِ ما عداهُ عنِ تأديةِ مُؤَدَّاه .

٣- وسببُ العودِ إلىٰ توظيفِ المُصطلحِ النقديِّ القديمِ وإيثارِه علىٰ ما راحَ بعضُ نَقَدَةِ  الغربِ يتشدَّقُونَ به: شموليةُ التعريفِ لِـما يعجزُ عن ضمِّه مفهومُ “الغرابةِ” إلىٰ مجموعِ ما قد يَـردُ في النصِّ الشعريِّ من المعاني القديمةِ غيرِ المُستهلكةِ في صورةٍ جديدةٍ تُدهِشُ مُتلقِّيها وتُعجِزُه عن تمييزِها عن المُبتكرِ الفريدِ، وكونُ الاصطلاحِ بِـ”الغرابةِ” يثيرُ في نفسِ مُتلقِّيه للوهلةِ الأُولىٰ الشعورَ بالتقعُّرِ والإفحاشِ والوحشيةِ والنفورِ لإرجاعِه إلىٰ توظيفاتِ العربِ الأُولىٰ له في دائرِةِ ما أسلفناه، فليسَ عدلاً أنْ ينطبقَ اللفظُ الواحدُ في مؤدياتِه المفهوميةِ علىٰ أكثرَ من اصطلاحٍ، الواقعُ الذي لا يُؤمنُ معهُ اللبسُ عندَ التفريقِ بينهما، ولقصورِ بعضِ المعاني الغريبةِ في بعضِ المُجتمعاتِ عن تبليغِ رسالةِ النصِّ؛ ما يتسبّبُ في هُجنتِه واستنكارِ محايثاتِهِ التقنية والبنائيةِ، ولانتصارِ لُـغةِ الكلمةِ “الغرابةِ” في دارجِ استعمالِها العربيِّ علىٰ مفهومِها العُرفيِّ في توظيفاتِ النقدِ الحديثِ لها؛ بينما ينخلعُ عن مفهومِ “الابتكارِ والتجديدِ” في الشعرِ – وهو من تعبيراتِ (ابنِ سلامٍ الجُمَحيِّ، والآمِـديِّ، والجاحظِ، والمرزُبانيِّ.. وغيرِهم) تصريحاً أو ضمناً، كلُّ ما أسلفناهُ من نعوتِ النقصِ التي يُمكنُ أنْ تعتريَه .

٤- أنَّ الابتكارَ والتجديدَ في معاني المنظوماتِ الشعريةِ غيرَ محبوسٍ في قضايا استعمالِ المُستغربِ منها، فقد يَـأرنُ فرسُ الخيالٍ الشعريِّ الجموحِ إلى توظيفِ معنىً جديدٍ في زاويةٍ من زوايا النصِّ الشعريِّ، وغيرُها أَولىٰ بها منها؛ فيغتربُ الأنموذجُ المُبتكرُ -الغريبُ- في ثنيَّاتِ القصيدةِ، وقد يُفحِشُ النّاظمُ في الغرابةِ بالأتيانِ علىٰ معنىً غريبٍ عن دائرةِ التوظيفاتِ اللُّغويةِ والتراكيبِ الأُسلوبيةِ في مجتمِعِ لُـغتِه التي نَـظمَ فيها نَـصَّهُ الشِّعريِّ؛ فيطرَحُه لذلكَ عَـامَّةُ القَرَأَةِ والمُتذوِّقينَ بل والنُّقادِ، علىٰ حينِ أنَّ هذا وإنْ وَقعَ في المعاني “المُبتكرةِ الجديدةِ” فإنَّما يقعُ هونَاً ما بلا ضَـيْرٍ، وإنَّ أدلَّ الدليلِ علىٰ مذهَبِنا في هذا الصددِ ما أفاضَ في ذِكرِه ” ابنُ سلَّامٍ الجُمحيِّ” عندَ ترجمتِه لِـ”امرئِ القيسِ” و كذا         “الأعلمِ الشنتمريّ” في كتابِه ” أشعارِ الشُّعراءِ الستَّةِ” عن تهذيبِ “امرئِ القيسِ” لبعضِ معاني الشعرِ، وابتكارِه لبعضِ مالم يكن لشُعراءِ العربِ قبلَه سُبُلاً لِـطَرْقِه . ا.ه‍

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

محمد حمدي الشعار

أديبٌ وشاعرٌ ومصححٌ لغوىٌ، ومعلمٌ للغةِ العربيةِ
محمد حمدي الشعار

Latest posts by محمد حمدي الشعار (see all)

محمد حمدي الشعار

أديبٌ وشاعرٌ ومصححٌ لغوىٌ، ومعلمٌ للغةِ العربيةِ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.