مساحة للاختلاف

وحدة العالم الإنساني

تنتهي كل العداوات العرقية بالمحبة وحسن التفاهم والتعاون.. ترفع كل أسباب الخصومات الدينية

إن إتحاد العالم الذي يتجه الناس نحوه لهو من أكثر المراحل تلألؤاً وتوهجاً. إن وحدة الأسرة، الوطن، المدينة، القومية إنما هي مراحل خلفتها البشرية وراءها بنجاح نسبي وإن إتحاد عالم اليوم هو الآن هدف هذه الإنسانية الحائرة. لقد طوى عصر بناء القومية وبلغ الهرج والمرج -الناتجان عن تكون الدول القومية المختلفة- أوجهما، لهذا فيجب على العالم الذي سيصل إلى البلوغ أن يخلص نفسه من شرور هذا الوثن وأن يقبل بترابط وتآلف وإنسجام جميع العلاقات الإنسانية ويوجد دفعة واحدة آلية يتجسد فيها هذا المبدأ الوحدوي الأصيل.

تفضل حضرة بهاءالله، بما مضمونه: “إن روحاً بديعة قد حركت في هذا العصر  كل شعوب العالم وإلى الآن لم يكتشف أحد علته ولم يتعرف شخص إلى محركه”. كما يوجه هذا الخطاب لجيله المعاصر بما مضمونه: “يا أبناء الإنسان. إن دين الله ومذهب الله هما لأجل حفظ العالم وإتحاده ومحبته وإتفاقه وألفته…ذاك هو الطريق القويم والأس المحكم المتين. إن ما يوضع على هذه اللبنة لن تحركه حوادث الدنيا ولن يذيبه طول الزمن”. كما ويتفضل أيضاً بما مضمونه: “إن إصلاح العالم وراحة الأمم سوف لن يظهرا إلا بالإتحاد والإتفاق”. وبالإضافة إلى كل ما سبق فإنه يشهد بأن “الآفاق ستتنور بنور الإتفاق وكان الله عليماً وعلى ما أقول شهيداً…هذا الهدف هو سلطان الأهداف وهذا الأمل هو أعظم الآمال”. وأخيراً يتفضل بما يلي: “إن ربكم الرحمن يحب أن يرى من في الأكوان كنفسٍ واحدة وهيكلٍ واحد، أن إغتنموا فضل الله ورحمته في تلك الأيام التي ما رأت عين الإبداع شبهها”.

إن وحدة العالم الإنساني بالشكل الذي قرره حضرة بهاءالله يستلزم تشكيل جامعة عالمية متحدة تضم جميع الأمم والأعراق والطبقات والأديان في وحدة متكاملة، إلا أنها وحدة تحفظ -في الوقت نفسه- إستقلالية كل فرد وحريته وإبداعاته الشخصية. وإلى القدر الذي يمكن لخيالنا أن يشطح فإن هذه الجامعة العالمية المتحدة يجب أن تكون ذا هيئة قانونية مشرعة يملك أعضاؤها تحت أيديهم -بصفتهم أمناء البشرية جمعاء- موارد كل دول الجامعة العالمية لسن قوانين ضرورية لازمة من أجل تنظيم الحياة وسد الحاجات وترميم روابط جميع الأقوام والشعوب. وفي مثل جامعةٍ كهذه تقوم هيئة تنفيذية -مسنودة بقوة الشرطة الدولية- بتنفيذ كافة قرارات وقوانين الهيئة المشرعة وحفظ وحدة الجامعة العالمية. ويجب أيضاً أن تشكل محكمة عالمية تفصل في الدعاوي المرفوعة من أعضاء ذلك النظام العالمي وتكون أحكامها نهائية وملزمة، إلى جانب أن يتم خلق شبكة إتصالات ومخابرات دولية تقوم بعملها في سرعة مدهشة ونظام كامل مرتب، وتغطي هذه الشبكة -والتي ستكون محررة من كل القيود القومية- كافة أرجاء العالم ويتم تحديد عاصمة دولية لتكون بمثابة نواة أعصاب المدنية العالمية للوحدة والتحكم وتوجيه القوى الموحدة لينفذ من خلالها أنوار باعثة للقوة ومنعشة للروح إلى جميع الجهات. كما يبتكر لسان دولي أو تنتخب أحد الألسنة الموجودة لتدرس في دول العالم الفيدرالي جنباً إلى جنب مع لغة الأم. يعين خط واحد وآداب واحدة ونظام مشترك للعملة والأوزان والمكاييل مما يسهل بالتالي من عملية الترابط والتفاهم بين الأعراق المختلفة وشعوب العالم، وفي ظل جامعة كهذه يتاح للمطبوعات مجال واسع لإظهار الأفكار والعقائد وستأبى أن تكون أداة طيعة للإستخدام السيء من قبل المغرضين سواء بصفة شخصية أو عمومية كما لن تكون تحت نفوذ أية دول متخاصمة أو سيطرة شعب معين. تنظم الموارد الإقتصادية العالمية للإستفادة القصوى منها، كما تتوسع سوق العرض للمنتجات والسلع وتلاقي الإنسجام وتتوزع بشكل منصف حسب الأولويات.

تنتهي كل العداوات العرقية بالمحبة وحسن التفاهم والتعاون. ترفع كل أسباب الخصومات الدينية وتلغى كل القيود الإقتصادية ويتلاشى الإختلاف الطبقي الفاحش. ينقضي الفقر والعوز المدقع كما تزول الثروات والأملاك الباذخة وتخصص من بعد ذلك الجهود الجبارة المصروفة في الحروب الإقتصادية والسياسية على نحوٍ لائق في أهداف بنّاءة من قبيل: توسعة الإختراعات والتطورات الحرفية والتقنية، رفع معدلات الإنتاج البشري، إزالة الأمراض وتكثيف الأبحاث العلمية ورفع مستوى الصحة وشحذ العقول البشرية، إستغلال المنابع المجهولة في الأراضي البكر، إطالة الأعمار والقيام بترويج أي وسيلة من شأنها تقوية أساس الحياة الفكرية والأخلاقية والدينية لبني الإنسان.

و سوف يستقر نظام فدرالي عالمي يحكم جميع البلدان ويكون القائد الأول بلا منازع لكل موارده الضخمة ويأخذ تحت ظله الأيديولوجيات السامية في الشرق والغرب ويحطم تعويذة الحرب والتعاسة ويكون راغباً كذلك في الإستفادة من جميع المنابع والموارد الموجودة في الأرض. وفي ظل نظامٍ كهذا ستكون القوة خادمه للعدل والقضاء، وسيستند بقاؤها على معرفة الله الواحد وإتباع دين عمومي. هذا هو الهدف الذي تساق البشرية نحوه مدفوعة بقوى الوحدة المحيية بشكل لا مفر لها منه.

وفي ذلك السياق يتفضل حضرة عبدالبهاء( الأبن الأرشد لحضرة بهاءالله ومركز العهد والميثاق) بما مضمونه: “من جملة الوقائع العظيمة التي ستقع في يوم ظهور هذه الغرسة التي لا مثيل لها هو إرتفاع علم الأمر بين جميع الأمم بمعنى أن جميع الشعوب والقبائل ستأتي تحت ظل تلك الراية الإلهية والتي هي نفسها ذلك الغرس الرباني لتصبح شعباً واحداً وستزول كل الخصومات المذهبية والطبقية والعرقية فيصبحون بمثابة دين واحد ومذهب واحد وجنس واحد وقوم واحد ويعيشون في وطن واحد ألا وهو هذه الأرض”. كما يتفضل أيضاً بما مضمونه: “لقد وضع أساس هذه الموهبة الكبرى والمنقبة العظمى بمنتهى المتانة بيد القدرة الإلهية في عالم الإمكان  وسيظهر بالتدريج ما هو مكنون في هوية هذا الدور المقدس. الآن هي بداية الإنبات وظهور الآيات البينات. وفي آخر هذا القرن سيظهر أنه كم كان ربيعاً روحانياً وكم كانت موهبة سماوية”.

أدلى حضرة أشعيا -وهو من أنبياء بني إسرائيل- بحديثٍ ساحر قبل 2500 سنة حدد فيه مصير البشرية وما سيحدث في دورة بلوغها بما يلي:

“وتسير شعوبٌ كثيرة ويقولون هلم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب، فيقضي بين الأمم وينصف لشعوبٍ كثيرين فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد”.

“…ويخرج قضيب من جذع يسي وينبت غصن من أصوله…ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه ويكون البر منطقة متينة والأمانة منطقة حقوية فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معاً وصبي صغير يسوقها والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معاً والأسد كالبقر يأكل تبناً ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسوئون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر…”.

كما يوجد بيان مشابه لصاحب المكاشفات في العهد الجديد في مقدمة مقاله الذي يتحدث عن جلال اليوم الموعود الذي يفوز فيه العالم الإنساني بما هو علة فلاحه وسعادته ما يلي: “ثم رأيت سماءً جديدة وأرضاً جديدة لأن السماء الأولي والأرض الأولي زالتا، وما بقي للبحر وجود وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله كعروس تزينت وإستعدت للقاء عريسها وسمعت صوتاً عظيماً من العرش يقول: “ها هو مسكن الله والناس يسكن معهم ويكونون له شعباً. الله نفسه معهم ويكون لهم إلهاً. يمسح كل دمعة تسيل من عيونهم. لا يبقى موت ولا حزن ولا صراخ ولا وجع لأن الأشياء القديمة زالت”.

من هو ذاك الذي سيشك في أن الوصول لنقطة الكمال هذه -أي تحقق بلوغ العالم الإنساني- سوف لن يكون بدوره فاتحة مدنية عالمية لم تر لها العين مثيلاً ولم تخطر على بال أحد؟ من ذا الذي بإمكانه أن يرسم في ضميره صورة لعظمة مقام المدنية التي من المقدر لها أن تنبلج تدريجياً؟ وهل من أحد يستطيع تخمين علو الأوج الأعلى الذي هو مستقر طيور الفكر الإنساني الهاربة من القفص؟ وأخيراً من منا يملك قدرة تصوير الفضاء البرح الذي يكشف الروح البشرية تحت ظلال الأنوار المتلألئة لحضرة بهاءالله؟

وكم هم جميل أن نجعل مسك ختام مقالنا هذا بيان حضرة بهاءالله: “هذا يومٌ لا يرى فيه إلا الأنوار التي أشرقت ولاحت من أفق وجه ربك العزيز الكريم. قد قبضنا الأرواح بسلطان القدرة والإقتدار وشرعنا في خلق بديع فضلاً من عندنا وإنا الفضال القديم. هذا يومٌ يقول فيه اللاهوت طوبى لك يا ناسوت بما جعلت موطئ قدم الله ومقر عرشه العظيم، ويقول الجبروت نفسي لك الفداء بما إستقر عليك محبوب الرحمن الذي وعد به ما كان وما يكون”.

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
راندا شوقي الحمامصي

Latest posts by راندا شوقي الحمامصي (see all)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.