مساحة للاختلاف

قاهرة التوكتوك!

ولمْ يَنسَ المقريزي أنْ يؤكد على ما شاهده وما نقله من أحداثٍ فيما يتعلق بحياة القاهريين

يقولُ أبو العباس المقريزي، متحدثًا عنْ أهلِ القاهرةِ، في زَمَانِهِ: «ومن أخلاقهم: الانهماك في الشهوات، والإمعان من الملاذ، وكثرة الاستهتار، وعدم المبالاة؛ قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون – رحمه الله تعالى -: أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب. ([1]) للوهلةِ الأولى لا يمكنُ إسقاط أحكام المؤرخينَ على زمَنٍ غير الزمَنِ الذي أُطلِقَ عليه الحكمُ، ومَعَ هذا لايمكننا المُضي قدمًا دونَ أنْ نستلَّ من جملةِ المقريزي تلك، ما يمكن أنْ نعتبره إرهاصًا من إرهاصاتِ النفس البشرية للجماعة والمجتمع المصريين فيما بعد؛ ونحن إذ نفتش ونَجَردُ كتب المقريزي جردًا، وكذا أضرابه من مؤرخي القرن الخامس عشر الميلادي، ومؤرخي العصور اللاحقةِ، ممن كتبوا عن خُطط القاهرة، وسيماء أهلها، ومعاشهم؛ فإنَّنا لا يمكننا إلاَّ أنْ نتوقفَ أمام تلك الحكايات عن أهل القاهرةِ، وما مارسوه من سلوك، أدَّى في النهايةِ، وسوف يؤدي – دائمًا – ما يمكن أنْ نعتبره حتميَّةً نفسيَّةً، أو حتميَّةً تاريخيةً.

ولمْ يَنسَ المقريزي أنْ يؤكد على ما شاهده، وما نقله من أحداثٍ – بخاصة أحداث العهد الفاطمي، منذ بناء جوهر الصقلي القاهرةَ – فيما يتعلق بحياة القاهريين، وكيف أنَّ الدولة العبيدية كان لها الأثر الواضح على تحويل دفةَّ حياة القِبط، فقد تأثر القاهريون بثقافة المواكب، وغير ذلك من المشاهدات خارج البيوت، وإنْ قوله – الذي نقلته آنفًا – يجعلنا نفتش في العصر الذي نعيشه الآنَ، عمَّا يمكن أنْ نجده موافقًا لأحكام المؤرخينَ، فقد يُخيَّلُ إلىَّ أنَّ المقريزي قد تنبأ بالــ ]التوكتوك[!

فإنَّ اللا مبالاة التي يذكرها صاحبُ الخُططِ والآثار، والتى شاهدها في سلوكيات أهل مصرَ، هي أمرٌ جديرٌ بالبحث والتفيش، بل ويدعونا إلى اكتشاف تلك اللا مبالاة بين منتجات العصر الحالي، من أدوات إنتاجية، أو مقدرات معرفية، أو حتى وسائل مواصلاتٍ، فإنَّه يبدو لي أنَّ الكشفَ عنْ هُويةِ مجتمع، يكون من خلال تقييم شبكة مواصلاتهِ، والمردود الثقافي الذي تمارسه تلك الأدوات في شوارع المدينة، وطرقات الدولةِ! نعم – ربَّمَا – تكون فكرة مُلغِزَةً، ولكن يبدو أنَّ الواقع يصمد أمامَ هذه الفكرة، فالمجتمع لا يمكن أنْ يمارس نشاطه، بين جميع أفراده سوى في الطرقات العامة، وبالتالي تعد وسائل المواصلات حاضنة نفسية واجتماعية، ومؤشر عقلي على مدى التماسك الاجتماعي، أو التفسخ الذي قد يعيشه أفراد أىَّ مجتمعٍ.

إنَّ [التوكتوك] هو أزمتنا الراهنة، ومصيبتنا التي لا تقل ضراوة عنْ أزمات العقل العربي، فيما يتعلق بتراثهِ وتجديد منتجاته المعرفية التاريخية، بل أجدُ الأمرين متصلين، فإنَّه يشكل ثقافة مجتمع تراكمت منذ خمسينيات القرن الماضي، في عقابيل سقوط الملكية، حيث تزحزحت الجماعة من المركز إلى الهامش، وسقوط السرديات الكبرى، التى ظلت ردحًا من الزمان تدافع عن الجماعة في مقابل الفرد، فأسهمت المذاهب الفردية، وحريات ما بعد الحداثة في نشوء مجتمعات تعيش على الضرورةِ والحَاجَةِ، و ]التوكتوك[ أحد الآثار الناتجة عن تلك الفلسفاتِ، وما يحويه منْ معجم لُغوي قائم بذاتهِ، وقائمة سلوكيات خارجة عن مبادئ الجماعةِ بالكليةِ، وهو يعكس عشوائية العقل العربي، حيث يخرج عن قوانين الدولة، ولا يتقيد بلوائح، كما أنَّه يحمل هامشًا من اللهجة العامية، تسبب – بدورها – مزيدًا من إنعزال العربية، وبلاغتها. وإنَّه مؤشِّرٌ على البطالةِ، وأمارةٌ على تفسخ العقد الاجتماعي بين الدولةِ العضويةِ وبين الفرد، وشِيَةٌ أو دلالةٌ على الجمود الذي يعانيه الشبابُ اليومَ، فالجميع ليس له شغل شاغل غير العمل على هذا الكائن المعدني المُريب! بأغنياتهِ التي تهاجم اللغة العربيةَ.

__________________________

[1] الخطط والآثار (1/93).

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

محمد جلال الأزهري

شاعر وكاتب مصري.. وباحث في مجال العلوم الشرعية.. صدّرَ له ديوان بعنوان «فى عتْمَةِ الضّوءِ» عن مؤسسةِ يسطرون للطباعة والنشر
محمد جلال الأزهري

Latest posts by محمد جلال الأزهري (see all)

محمد جلال الأزهري

شاعر وكاتب مصري.. وباحث في مجال العلوم الشرعية.. صدّرَ له ديوان بعنوان «فى عتْمَةِ الضّوءِ» عن مؤسسةِ يسطرون للطباعة والنشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.