مساحة للاختلاف

الاغتيال الاقتصادي

فتزدهر الأغنيةُ في مقابل اللغةِ ولعب الكورة في مقابل التعليم و الراقصات في مقابل الرائدات

في هذه الآونةِ، وفي ظلِ التدهور الاقتصادي الذي نعيشُه، يُلِحُ علينا سؤالٌ عنِ العَلاقةِ بينَ الاقتصادي والأخلاقي، وكيف يمكن للتبدِّل المادي أنْ يؤثر في نفوس الأفراد. إنَّ تضاءل القيمة في مواجهةِ المادي التاريخي، كان مطروحًا وبشدَّةٍ منذ عصر العصا المعقوفة؛ حيث استبدَّ الإنسانُ بملكيَّتهِ، لتفرض أدواتُ الإنتاجِ – في عصور ما قبل الدولة – خصوصيتها الرأسمالية، ومِنْ ثمَّ تنهض الأخلاق الرأسمالية، حيث المكيل والموزون، وفرضيات الجَدْبِ والوفرة، والأخذ والعطاء. والجرد التاريخي للنظرية الاقتصادية، يكشف بوضوح كيف أنَّ مادةَ الأخلاقِ انفصلت مبكرًا عن النظرية؛  فلقد انفصلتِ الأخلاقُ، ومبادئ القيمة، بعدما تحتم وجود الحيدة في المعاملاتِ، والتوازن دون الاعتبار للجُوَّانيةِ الإنسانيةِ.

للوهلة الأولى ندركُ أنَّ تاريخَ النظريةِ الاقتصاديةِ لا يكشف عن الآلية، أو المعيار الذي تسوقه التحولات الاجتماعية الكبرى، ضمن اعتباراتها، وما التبدل الذي يمكن أنْ يتعرض له الإنسان داخل المجتمع؛ جرَّاء التحول الاقتصادي؟ – خاصة عندما يتحرك الاقتصاد ناحية النقطة صفر – فقد لا نحتاج كثيرًا إلى تلمس تلك الأنماط والمعايير؛ إذا ما تحرك اقتصادُ أىَّ مجتمع ناحية الطفرة والنمو، فالأمر لن يكون مُلغزًا مثلما يحدث في الحال الأولى!

تكشف بعضُ النماذج التحليلية، وهو ما ألمح إليه (كارل بوبر) منْ أنَّ غياب المؤسسات القومية، أو الخِدْمية، أو حتى بعض الأجهزة الأيدولوجية في الدولة، يشير إلى التدهور الذي يمكن أن ينال منَ الطبقة الوسطى، والتي يمثلها: العاملونَ بمجالاتِ التعليم والصحة والتنمية.

غيرَ أنَّ ضابطَ  ذلك التغيَّر، لن يكون ضمن قائمة مقترحة من الأسباب والمبررات، التى تجعل أى تدهور اقتصادي ضمن الملاحظة المجردةِ، إذ إنَّ أمثال هذه التحولات لا يتأتَّى إلحاقها بمعاييرَ جامدة وحتمية، وإنَّما – ونظرًا لارتباطها بالإنسان والقيمة – تكون تحت طائلة الاحتمال والمراجعة المستمرة، حيث تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى غيرهِ، ناهكيم عن أنَّ الأخلاقَ والاقتصادَ مجالانِ لا ينتميانِ إلى الحقول المعرفية ذاتها، وهذا الانتماء المعاكس، يفرض أدواتٍ وإجراءاتٍ تعود إلى كل حقل على حِدة!

ومن هنا فإنَّ المعيارَ الرأسمالي يربطُ المجتمعَ بِحُزمة من الاختيارات المعيشيَّة، والتى تؤدِّي إلى ضَحالةٍ في المعروض النفسي والأخلاقي والتعليمي، وغيره. فالمجتمعُ  الفاسدُ اقتصاديًا، تنضج فيه كلُ ما يمكن أن يُسهم في تثبيت أركان المادي الرأسمالي في مقابل القيمة؛ فتزدهر الأغنيةُ في مقابل اللغةِ، ولعب الكورة في مقابل التعليم، و الراقصات في مقابل الرائدات في التنمية. نعم قد لا نستطيع بناء نموذج نفضح من خلاله متى، وأين، وكيف يتحول الإنسان تحت ثقل الضرورة الاقتصادية؟ ولكن بإمكاننا أنْ نتناول التبدل الأخلاقي ومظاهره بالفحص والتحليل؛ بقصد الإصلاح، فإنَّ ذلك كله من قبيل الأمن الاقتصادي الذي يجب أن يَنْعمَ به الفردُ في المجتمع؛ فالإنسان عندما يَرفل في ثياب الرخاء، يُمْحَى هَمُّه، ويزول قلقُه، ويتحول إلى منتج في مجتمعهِ، حينما يتعطر بأريج الأخلاق. وربما في تاريخ لاحقٍ، نستطيع تجميع كلَّ الأمثالِ المفحوصة، لصنع نموذج يُراعَى فيه تجريدية الأخلاق، ومادية الاقتصاد.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

محمد جلال الأزهري

شاعر وكاتب مصري.. وباحث في مجال العلوم الشرعية.. صدّرَ له ديوان بعنوان «فى عتْمَةِ الضّوءِ» عن مؤسسةِ يسطرون للطباعة والنشر
محمد جلال الأزهري

Latest posts by محمد جلال الأزهري (see all)

محمد جلال الأزهري

شاعر وكاتب مصري.. وباحث في مجال العلوم الشرعية.. صدّرَ له ديوان بعنوان «فى عتْمَةِ الضّوءِ» عن مؤسسةِ يسطرون للطباعة والنشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.