ثقافة وفنون

فُتِح الباب (قصة قصيرة)

أظل أنقر متراس الباب لعله ينفتح.. ما أقساه.. سأظل أنقر إلى المنتهى

-1-

يكبر جسمي.. يملأ التجويف المحيط بي.. يضغط جسمي على تلك الجدران إذ لم تعد تتسع لحجمي المتزايد.. أنشد الحرية من هذا الحيز الضيق.. أنقر جدران البيضة من الداخل.. أطل برأسي من الكوة التي أحدثتها.. أرى أخي وقد خرج لتوه من بيضة أخرى محاولاً التدرب على الوقوف.. أفرح.. هذا هو عالم الحرية التي أنشدها.. اجتهد حتى اتخلص من سجني.. أقف بجوار أخي.. أخيراً أنا حر.. أعيش المطلق!!..

تقترب منا كتلة دافئة مغطاه بالزغب.. تحوطنا بريش جناحيها الحانيين لتحتضن وليدي الحرية.. نغوص في زغبها الناعم.. نشعر بالحنان والطمأنينة.

شهور وأمي تطعمنا من تلك القصعة، وتعلمنا كيف نرتوي من ذلك الإناء.. ينضب أحدهما أو كلاهما فنصبح متحرقين ومنتظرين من يسكب فيهما ما يسد جوعنا ويروي عطشنا. .. أتساءل:  أما خرجنا إلى عالم الحرية؟!.. من ذا الذي يتحكم في قوتنا؟! لماذا تحوطنا جدران القفص هذه؟!  هل ما زلنا سجناء؟ ! أحس بأن هناك مطلق آخر أوسع.. أين هو؟”.. أسئلة لم أجد إجابة لها عند أمي  ولا أخي.

أمي تتألم لحيرتي : “يا بني .. هذا هو المطلق..  هذا حالنا منذ خلقنا و لا نعرف غير هذا، ارضى بقدرك، وتأقلم مع هذه الجدران”.. ولكني أرفض.

نكبر.. نتعلم الطيران.. نحلق فرحين في فضاء القفص.. يأتي الليل ووقت النوم.. نلج تحت جناحي أمي.. ينام أخي، وأظل أنا حائراً يقظاً قلقاً  أفكر. أصبح كل عمل؛ كل هدف؛ كل الوجود تحول عندي إلى كلمة واحدة ألا وهي “لماذا؟!!” .. “لماذا؟!!”.. أبحث عن حل.. أبحث عن المطلق..

أتأمل جدران القفص.. أجد به جزءا مستطيلاً يختلف عن باقي الجدران.. أكيد هو فتحة الخروج ولكنه موصد بمتراس. لم يُفتح قط. حتى الطعام والماء يُـلقى إلينا من بين القضبان. اعتقد أن الحل لتساؤلاتي يكمن وراء هذا الباب. أترقب فتحه.

***********

 

-2-

ذات يوم صحونا على صوت انزلاق متراس الباب.. نظرنا إلى أمنا لنجدها جثة باردة ملقاة على ظهرها.. نُصاب بالحزن وشلل الفكر..  فـُتح الباب.. تدخل منه يد صاحب القفص لترفع جثة أمنا وتلقي بها خارجاً.

آه.. أيها الباب.. انتظرت فتحك كثيراً؛  وحين فُتحت ابتلعت أمنا..

ظننتك باب بداية فكنت باب نهاية ..

ظننتك باب مطلق فكنت باب حد ..

ظننتك باب ولادة  فكنت باب لحد ..

فقدنا الأم.. ما أشد حزني..

***********

 

-3-

نستعيد أنا وأخي توازننا النفسي.

وأعود إلى القلق والبحث عن المطلق.. لن استسلم..

يحاورني أخي:

– لماذا تعيش حائراً تبحث عن الحرية في حين أننا نمتلكها بالفعل، إننا في المطلق.. أَثبِت لك ذلك.. طِر من هذا الجدار إلى الجدار المقابل.

أطير داخل القفص من الجدار إلى الجدار المقابل.

ويستكمل أخي حديثه معي:

– ألم تطر بحرية الآن؟ قارن.. لقد نلت حريتك المطلقة بعدما خرجت من البيضة التي كنت لا تستطع الطيران بداخلها والآن تستطع.

– نعم .. ولكن وجدت الجدار الآخر يحد حريتي.. لا بد من وجود حرية مطلقة غير حرية القفص.. حرية لا يحدها جدار.

– إذا كنت تعتبر أن الجدار حد، فجرب أن تطير على محيط دائرة فلن يحدك جدار.

– ولكنها حلقة مفرغة؛ ظاهرها مطلق وجوهرها محدود.

– أعندك حل آخر؟.

– الباب!.. أفكر في الباب مرة أخرى.

– هذا الباب موصد بمتراس صلب لا يمكن فتحه، ولكن يمكنك أن تتوسل ذليلاً لصاحب القفص ربما يفتحه.

– لن استجدي حريتي.. علمتني العزيمة أن أجد طريقة لشق الباب بدلاً من التوسل.

– هذا الباب وراءه قبر ؛ أُخرِجت أُمنا إليه.

– لقد خرجت أُمنا ميته؛ ولكن ماذا لو خرجنا أحياء؟

– حتى لو خرجنا أحياء سينتظرنا المجهول.. أفضل عيشنا المعلوم على مجابهة المجهول.

– بلى، أتوق إلي الخروج من هذا الباب حتى لو لقيت حتفي في المجهول.. سوف أبدأ التمرد والمحاولة.

***********

 

-4-

أظل أنقر متراس الباب لعله ينفتح.. ما أقساه.. سأظل أنقر إلى المنتهى.

صوت نقري يضايق صاحب القفص، فيدخل عوداً مدبباً من خلال قضبان القفص يوخزني به.. يعذبني..

أرفع عيني إلى السماء.. أيها المطلق أريدك.. هبني قدرة تحمل الألم والتعذيب..

أظل أنقـر واتحمل العقاب والألم.. يشفق عليَّ أخي.. يحضني على التراجع ولكني أزيد من تمردي وأزيد نقر المتراس.

يضيق بي صاحب القفص.. يزيد من وخزي وعقابي وألمي.. وأزيد أنا من نقري وعنادي وتمردي.

يحنق عليَّ صاحب القفص.. يقرر قتلي.. يفتح الباب.. تطاردني يده.. تحاول أن تمسكني لتعصرني.. أطير بعصبية يمينا ثم يساراً لعلي أفلت من يده.. أصرخ في أخي المستكين أن ينتهز الفرصة ويهرب من الباب المفتوح،  ولكنه يرفض الحرية.

تنجح أصابع صاحب القفص في الإمساك بطرف جناحي.. أنقر أصابعه نقرة لاسعة بشدة.. يتألم.. أفلت منها.. وفي أقل من الثانية أنطلق كقذيفة موجهة خارجاً من الباب.. أحلق عالياً بسلام في المطلق.. أفرح به ويفرح بي.

يخاف صاحب القفص أن ينال أخي حريته مثلما فعلت.. يربط رجله بسلسلة في قضبان القفص.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من المجموعة القصصية «سيمفونية التمرد»، الصادرة عن دار التلاقي للكتاب، ونشرت طبعتها الأولى في يناير 2010 وقام بالتقديم لها الأديب والشاعر «محمد حسني إبراهيم».

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور مخلص أمين

د. مخلص أمين رزق.. روائي وطبيب مصري.. عضو بالجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العربوالجمعية المصرية للمترجمين واللغويين وعضو في نادي الأدب بالفيوم وعضو جمعية الإعلاميين.. تم تكريمه من قبل الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب (واتا) عام 2008 كمبدع من مصر في مجال "القصة القصيرة جداً.. وهو أخصائي جراحة العظام بالفيوم.
الدكتور مخلص أمين

Latest posts by الدكتور مخلص أمين (see all)

الدكتور مخلص أمين

د. مخلص أمين رزق.. روائي وطبيب مصري.. عضو بالجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب والجمعية المصرية للمترجمين واللغويين وعضو في نادي الأدب بالفيوم وعضو جمعية الإعلاميين.. تم تكريمه من قبل الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب (واتا) عام 2008 كمبدع من مصر في مجال "القصة القصيرة جداً.. وهو أخصائي جراحة العظام بالفيوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق