ثقافة وفنون

مقامة «القميص.. والحذاء»

غاب الرجل عني لحظات وكالبرق عاد إلىّ وفي يده (قبقاب)

عبد الناصر العطيفي

شاعر وأديب مصري، وعضو دار الادباء.. له العديد من الأعمال الإبداعية المطبوعة، كما أنه حاصل على جائزة الجمهورية في القصة القصيرة، وجائزة ساقية الصاوى، ونادي القصة
عبد الناصر العطيفي

Latest posts by عبد الناصر العطيفي (see all)

حدثنا العبد الفقير إلى الله .. سجين الوجع والآه .. الذي له من المؤلفات عشرة كتب في صنوف الأدب ، وله من الأبناء اثنان .. بنت وحيدة وولد غلبان ..

قال:

ذات مساء ، خرجت لأشتري قميصا ..

وبعد عناء وشقاء ، واجتهاد وجد  في المسير والتنقل من شارع إلى شارع ،

ومن ناصية إلى  ناصية  .. تفقّدت خلالها كثيراً من  المحال ، وشاهدت بأم عينيّ عمليات  الجدال والنقاش ، و (  الفصال ) ،   عند البيع والشراء ..

تورّمت قدماي ، وتمنّت لو وجدت الكرسي او السرير ؛ او لو افترشت  الحصير ، بعد أن  أرهقهما المسير ، وبدت حركتهما كالامر العسير .. ولم تتمكنا من مواصلة التقدم  ؛ فقد  استبد بهما االغيظ والتبرم ، وأصابهما  الارتخاء  ، وكستهما آثار التعب والإعياء  …

وإثر ركلة جاءتني ..  لست أدري  .. إن كانت  مقصودة ، او بغير قصد .. وبدا الأمر يأخذ مأخذ الجدّ .. فقد أطاحت بالحذاء ، و أحدثت بإحدى ساقي التواء ..

وكان الشارع يضج بالزحام والناس تتدافع كالاغنام ، او قل – إن شئت – كالديدان والهوام .. وبدت أفواه المحال مفتوحة .. تعرض من البضاعة كل ما هو جديد .. تبتلع زبائنها ، ولسان حالها يقول : هل من مزيد ؟!

ارتكنت إلى جذع شجرة .. قطعوا رأسها وأبقوها أثرا بعد عين ، وكانت الأضواء مبهرجة ، تنسكب في حركات مموجة ..

و ألوان الطيف يسابق بعضها بعضا ..

وبدا الصراع بين الأحمر والأزرق ، يتخللهما الاخضر والأصفر ، تحسست جيوبي .. تأكدت من وجود حافظة اوراقي ، كما تحسست نقودي .. أعطيت ظهري لذلك الجذع وقد أخذ أنينه يخترق الضجيج ويتهادي إلى سمعى .. نظرت إليه في إشفاق وانا لا أستطيع مواراة دمعي ..

انحنيت اتحسس قدميّ  وقد غدت يمناي مكشوفة .. تبيت في العراء .. ولحسن الحظ كان لون ( الجورب ) بنيا كلون الحذاء ؛ غير أنه فتح للإصبع الكبير نافذة ؛ فانعتق منها ، وأطلّ  بوجهه المشرق كالقمر في ليلة التمام  ..

دارت ذاكرتي دورة  وفي لحظة ذكرتني بالماضي  القريب  ، أيام الثورة ، وفي صلاة الجمعة .. حيث أطال الخطيب ، وعرّج في خطبته متحدثا عن السرقة .. لم يترك ما يقال عنها إلا وقاله  ، وعقب آداء الصلاة  تدافع الخارجون  .. وتزاحم الصبية المارقون  واصوات الباعة الجائلين تطارد آذان المصلّين  ..

انتظرت طويلا بجانب الباب ، بعد ان تفرست ما تبقى من أحذية ممزقة .. وكان حذائي جديدا ، كنت ألبسه للمرة الأولى  ، ولم أكن دفعت  من ثمنه سوى المقّدم .. وتبقّى عليه قسطان ..  أعلم انه في القريب العاجل  سيطالبني بهما رفيق الميدان ..

صاح عامل المسجد :

بعد أن دفعني في كتفي  قائلا خلّص يا أستاذ .. سنغلق الباب  .. قلت له والهَمّ  يعتصرني  :  لقد سُرِق حذائي  وأنا هنا غريب ..

غاب الرجل عني لحظات ، وكالبرق عاد إلىّ وفي يده ( قبقاب )  ،  مصنوع من أعلى من الجلد ، ومن أسفل خشب من اجود أنواع الأخشاب .. قال :

خذ هذا ، يا هذا .. اقض به مصالحك

ثمّ رده إلىّ ؛ فالله – وحده –  يشهد أنه ( عُهدة ) ومثبوت في الدفاتر علىّ !

نظرت إليه وأنا أتحسس رابطة عنقي

تأكدت من إحكامها حول ياقة القميص

قلت شاكرا إياه :

لأن أمشي حافيا في سكون خيرا  لي من ( الطرقعة ) بالقبقاب ، وترقُبني العيون ، ويجري ورائي الصبية  .. يقذفونني بالطوب وهم يصيحون : المجنون .. المجنون ..

يومها كان في جيبي من االاموال ، ما كنت به استطيع  شراء أجدع ( نعال ) ، ويتبقّى  معي ما يمكنني من تلبية طلبات البيت ، و أم العيال .. اعطيت ظهري لباب المسجد ، وأنا أسير وأحفد ، ثم أشرت لأحد ( التكاتك) .. توقف إزائي .. وللوهلة الأولى فطن إلى أني قد فقدت حذائي ؛ فقد كان منظري لا يخفى على الرائي .. وكان سائق (التوك توك ) مهندما .. تبدو عليه أمارات الوقار والاحترام  ، على غير المعهود من تلك الفئة من الناس  ؛ حيث مظاهر التشرد والإجرام ؛ فأكثرهم معدوم الإحساس !

ركبت خلفه .. وما ان تحرك بضع خطوات

حتى التفت نحوى وهو يصارع المطّبات   ثم قال  : لا يغرّنك مظهري ؛ فأنا لست ميسور الحال ، لكن على كل الأحوال وجدت فرصة لتحسين الدخل ومواجهة الغلاء ؛ فالمرتّب لا يكفي من الشهر إلا أوله ، والنساء في البيوت تتفنن في هات ..  وهات ، وفي ( الولولة ) .. ومهنة التدريس – كما تعلم – باتت مصدرا للبؤس والإفلاس ..

قلت له والابتسامة على شفتي :

يامحاسن الصُّدَف .. بالفعل لم ناخذ من التدريس إلا كل همّ ، وقرف ..

يا هذا  أمّا  انا – فمثلك – أوصل الليل بالنهار ؛ كي أواجه مصاعب الحياة ، وأرفع الراس بين الجباة ، ولا أخفيك سرا ..  أعمل – ليلا –  أدفع بذراعي  عربة ( فيشار )  من مطلع الليل ، إلى قرب النهار ، وأعود في الصباح متناولا إفطاري ،  وقد التهمت طبقا من الفول ؛ لأتعامل مع ما يقولون أنها عقول ، وما ادراك ما تلك العقول ؟!

وفجأة  توقف (  التوك توك )  عند أقرب محل للاحذية .. شكرته وأنا أقدّم له النقود ..

 

رفض ان يتقاضى أي قرش ، وأخذ يحلف بالغالي والنفيس  انه – رغم ذلك – يكنّ كل احترام لكل مَن هُم  مازالوا في مهنة التدريس !!

وعلى أثر انفجار رهيب .. هز المكان ،  أصيب  المارّة بالهلع ، وكذلك السكّان .. وانتشر الدخان ،  وهنا أخذت المحال في إغلاق أبوابها ولم يعد أحد يعرف البائع من المشتري ،  وطوّقت الشرطة المكان ، واخذ الجنود في الاصطفاف ، ثمّ امتلأ الشارع بسيارات المطافيء والإسعاف ..

تحسست جيوبي للمرة الثانية ، وأخذت أفتش وأفتش ، لكن هيهات لم أعثر على شيء ، وادركت أن العداوة مازالت قائمة بيني وبين ( الفلوس ) ، وأنه لا قميص جديداً  في هذا الزمان لإنسان منحوس !

وعلى الفور خلعت فردة الحذاء الباقية  . . القيتها عساها تلتقي بأختها الثانية ، وسرت حافيا إلا من  (شراب )

مع علمي بأنه مقطوع ، ومضيت إلى البيت ، وقد  فاضت  عيناي بالدموع  ؛  فلا مجال للتراخي ، او الرجوع .. ووجدتني أنشد قول الشاعر  العربيّ :

وأشدّ ما لقيت من ألم الجوى /

قرب الحبيب وما إليه وصول /

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ /

والماء فوق ظهورها محمول /

وأخذت أردد ا( لمثل الشعبي ) القائل :

– المنحوس منحوس ، ولو علّقوا في رقبته ( فانوس ) !

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
اظهر المزيد

عبد الناصر العطيفي

شاعر وأديب مصري، وعضو دار الادباء.. له العديد من الأعمال الإبداعية المطبوعة، كما أنه حاصل على جائزة الجمهورية في القصة القصيرة، وجائزة ساقية الصاوى، ونادي القصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.