مساحة للاختلاف

ثالوث البقاء

الفلاح.. الأرض.. الماء.. مثلث تأسيس الحضارات الإنسانية وبنائها واستمرارها

نعم الفلاح والأرض والمياه هي ثالوث البقاء الذي  أسس للحضارات الانسانية وبناها وماكان للعالم القديم أن يتطور بدونهم.

هذا الثالوث نقل الانسان من صائد في الجبال والأودية لمعمر في الأرض, بنى الحضارات وأقام أركانها.

ويبقى السؤال كيف يفكر من يأكلون في هذا الثالوث وهذا مايستدعي التعرض ولو باختصار شديد لكل عنصر من أركان هذا الثالوث ولنبدأ في هذه المقالة بالفلاح نعم بالفلاح مؤسس حضارة النيل وبانيها  والذي بهر العالم بعبقريته الفذة كما وصفها هيرودوت قبل حوالي 2500 عام حيث قال وهو يقصد الفلاح المصري: “إنهم يجنون ثمار الأرض بجهد أقل مما يبذله غيرهم من الشعوب.. لأنهم لا يضطرون إلى تحطيم أخاديد الأرض بالمحراث أو إلى عزقها أو القيام بعمل كالذى يضطر غيرهم من الناس إلى القيام به لكى يجنوا من ورائه محصولاً من الحَبّ، ذلك بأن النهر إذا فاض من نفسه وروى حقولهم، ثم انحسر ماؤه عنها بعد ريها، زرع كل رجل أرضه وأطلق عليها خنازيره، فإذا ما دفنت هذه الخنازير الحَبّ فى الأرض بأرجلها انتظر حتى يحين موعد الحصاد، ثم.. جمع المحصول”.

ولكن هل هذا العبقري المذهل كان يعاني ككل صانعي الغذاء عبر التاريخ وحتى حاضرنا الذي نعيشه؟ نعم كان يعاني دائما ولننظر الى نص أدبي تاريخي آخر يوضح مايعانيه الفلاح في مصر الفرعونية حين يؤخذ عٌشر ماينتجه من زرع

“أتلفَتْ الديدان نصف القمح، وأكَلَتْ أفراس البحر ما بقى له منه، وهاجمتها فى الحقول جماعات كبيرة من الجرذان، ونزلَت بها الصراصير، والماشية النهمة، والطيور الصغيرة تختلس منها الشيء الكثير، وإذا غفل الفلاح لحظة عما بقى له فى الأرض، تعدى عليه اللصوص. والثورين قد ماتا من جرّ المحراث.

وفى هذه اللحظة يخرج الجابى من القارب عند المرسى ليطلب العشور، ثم يأتى حُرّاس أبواب مخازن «الملك» بعصيّهم، والزنوج بجريد النخل، يصيحون: تعالوا الآن، تعالوا! فإذا لم يأتهم أحد طرحوا الزارع أرضاً، وربطوه، وجرّوه وزوجته مربوطة معه، ويفرّ جيرانه من حوله لينقذوا حبوبهم”.

ولنأتي إلى عهد أقرب  حيث قال عنهم ابن خلدون “يبحث سكان الريف بدورهم عن متاع الدنيا، ولكنهم لا يطلبون سوى ما يحتاجونه أو الضروري منه فقط، كما أنهم لا يفكرون في الثراء الفاحش، ولا يبحثون عما يشبع شهواتهم ويزيد في رغباتهم. علاوة على ذلك، تتميز عاداتهم، التي تنظم حياتهم، بالسلاسة ويمكن أن نجد في ممارساتهم وطبيعتهم أشياء كثيرة لنتعلم منها”

وهناك حقيقة هي أن أي كيان زراعي يعتمد نظم ري لمياه سطحية يحتاج لنظام ري مركزي وتنظيم قوي وحاكم ينظم ويسيطر على ذلك؛ لأن وظيفة الحاكم هنا ضبط النهر وضبط الناس، مما يعني ضمان وصول مياه المياه لكل جزء من الأراضي، ومن هنا تزداد قوة وأهمية الحاكم في بلاد النهر عكس الزراعة المطرية؛ حيث الفلاح ليس في حاجة لمن ينظم له مياه الري  لاعتماده على السماء، لذا نجد أن محمد علي أعلن صراحة أنه المالك الوحيد لجميع الأراضي الزراعية، وصادر ملكية الفلاح تاركًا له حق الانتفاع فقط، كما صنع محمد علي نظام الري الدائم بتسخير الفلاحين على مدى السنين في شق الترع وتطهيرها وبناء القناطر والجسور ومواجهة الفيضانات كل ذلك بالسخرة غالبًا، وتحولت الملكية إلى محتكر وحيد لكل أراضي مصر، ثم تدريجيًا إلى إقطاعيات حتى جاءت ثورة يوليو وقامت بإعادة توزيع الأراضي من خلال قانون الإصلاح الزراعي، حيث نقل 13% من مجموع الأراضي المصرية من كبار الملاك، ووزعت على الأسر الفقيرة بجانب الأراضي التي تم استصلاحها بعد السد العالي. ولكن وبعد أكثر من نصف قرن على إعادة الأرض للفلاحين مالذي حدث لهم وللأرض؟ هذا ما سنتعرض له في المقال القادم ان شاء الله

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور أسامة سلّام

خبير موارد مائية
الدكتور أسامة سلّام

Latest posts by الدكتور أسامة سلّام (see all)

الدكتور أسامة سلّام

خبير موارد مائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.