ثقافة وفنون

نكران الجميل (قصة قصيرة)

لم يفضل منه الآن إلا ذكريات جميلة وأسئلة مريرة ظللنا نطرحها على أنفسنا رغم مرور الأيام

توفيق باميدا

قاص وروائي مغربي.. صدرت له العديد من الأعمال الإبداعية آخرها رواية «شهريار يحكي ويقص» عام 2018

Latest posts by توفيق باميدا (see all)

حينا صغير، ترسم أبعاده منازل تصطف حول ساحة ترابية، تنبعث وسطها بشموخ شجرة تين عتيقة، جذعها قوي سميك، أغصانها المتوجة بالأوراق تمتد لتشكل ما يشبه المظلة الكبيرة، هي ملاذ لشيوخ الحي حين يشتد عليهم وقع أشعة الشمس الحارقة خصوصا في زوالات الصيف، ومرتع للصغار حين تخطر ببالهم ألعاب خالية من الركض والصراخ، تراهم وقتها ساكنين آمنين مانحين لسكان الحي فرصة للتنعم بالهدوء.

ترتدي شجرة حينا ككل الأشجار حللا عديدة، تراها أنيقة بهية في الربيع مرصعة بالزهور، ومزينة بثمارها الثقيلة في الصيف، خريفا وشتاء  تبعث أغصانها العارية بسحر غريب، كعذراء تنادي الربيع أن يلفها برداء أخضر جميل.

حين تظهر باكورة الثمرات، يحرص الشيوخ على ألا تتطاول إليها أيدي الأطفال، حتى إذا اكتمل نضجها، أفرغوها في آنيات أو أكياس وجعلوا يوزعونها على سكان الحي القلائل، فقد كانت شجرتنا سخية، تذر علينا كمية كبيرة من الثمار التي كان بعضها في حجم الطماطم. الشجرة المتأصلة في التاريخ، الممتدة بجذورها عميقا في الأرض وفي قلوبنا أيضا، كانت واحة من مختلف العطايا، فحتى أنفاسها الزكية كانت تعبق ليالينا وتنسم صباحاتنا، إنها كنز الحي الذي يشترك في ملكيته الجميع.

ذات مساء، حلت بحينا سيارة حكومية، نزل منها ثلاثة رجال أنيقي المظهر، ظلوا يصولون ويجولون حول الشجرة قرابة ربع ساعة بينما كنا نحن نراقبهم من بعيد في دهشة وقلق.

في الصباح، عاد هؤلاء ومعهم شاحنة البلدية وجرافة عجوز صفراء. خرجنا من جحورنا ووقفنا غير بعيد عنهم، تقدمت الجرافة تسحق الأعشاب المتناثرة وكل ما يعترض طريقها مضججة المكان الهادئ بصوت محركها الصاخب، تتبعها سحابة من الدخان الأسود ترتفع لتعكر صفاء سمائنا. بعض الصبية الذين يلعبون تحت ظل الشجرة فروا فزعين حين شاهدوا الوحش الآلي يخترق الساحة الترابية ويتوقف قريبا من مرتع ألعابهم.

تراجع الرجال ذوو البدل الأنيقة إلى الخلف حين انغرس معول الجرافة الضخم في الأرض يحفر حول جذع الشجرة، بينما عيوننا تتبادل نظراتها، وألسنتنا تهمس بثقل وألم:

– هل سيقتلعونها؟

رأيت التردد في عيون الشيوخ، والأسى يرتسم على وجوه النساء، بينما تحول اندفاع الشباب إلى عرق تصبّب باردا على أعناقهم… وما هي إلا دقائق حتى أحدثت الجرافة هالة عريضة حول الشجرة. عندها بدت معزولة عنا، محاصرة، تستنجد بنا وتترجانا أن نفعل شيء من أجلها… لكننا اعتذرنا بصمت، ونسينا أو تناسينا أنها لم تتوان يوما في بعث البهجة إلى قلوبنا وقلوب أبنائنا.

ضغطت الجرافة بظهر معولها بقوة على جذع الشجرة، واستمرت في عملية الدفع حتى ارتفع صوت غريب من الشجرة، تبعه سقوط على الأرض، وسقوط دمعات باردة من العيون المتابعة.

ثم وُضعت الشجرة العملاقة داخل الشاحنة التي سرعان ما أخذت مسارها مغادرة المكان، ساحبة تاريخنا الجميل، وأيامنا التي عشقناها بعيدا عنا… غادر زوار الحي اللا مرحب بهم، وبقينا عالقين في أماكننا، تهتز قلوبنا بأسى عميق، وتتوه أعيننا في الفراغ الذي ساد الساحة الترابية، والشكل الغريب الذي آلت إليه.

لم نستطع النوم تلك الليلة، فبعد سهر طويل في الساحة، أفرغنا خلاله الكثير مما ثقلت به صدورنا، لم تستطع جفوننا الانطباق على بعضها وعقولنا تسترجع الحدث الفظيع الذي حل بنا. ثم استيقظنا، بل لم نستيقظ، وإنما أصبحنا داخل فراغ مخيف، أعيننا شملها مشهد الساحة الترابية الجديد، وقلوبنا ألمت بها أحاسيس من الضياع. وجدنا أنفسنا وقد انتزع منا تاريخنا الجميل على مرمى من أعيننا، بينما مكثنا عاجزين، نتابع فقط… لم يفضل منه الآن إلا ذكريات جميلة، وأسئلة مريرة ظللنا نطرحها على أنفسنا رغم مرور الأيام:

– لماذا وقفنا مكبلين… ولم تنبس شفاهنا ولو بكلمة؟

 

 

___________________________

من المجموعة القصصية «عينان مفتوحتان في الظلام»، والتي تتطرق قصصها إلى اقتناص لحظات من الحياة اليومية، أو ما قد يصادفه الإنسان من أحداث عابرة، أو ما يسعى خلفه من أهداف وينشده من أحلام بسيطة. فتتناقلك المشاهد فيما بينها، لتصاحب رب الأسرة المنهار أمام متطلبات الحياة العادية، والزوج الذي لم يستطع أن يواصل المسير في غياب زوجته، وتأخذك لترافق المهاجرين إلى آخر نقطة قبل العبور، ولتشاطر الزوجة الطيبة أحزانها بعد أن تركها زوجها لكونها لم تنجب له.
لتتابع عن قرب الإنسان العادي في كثير من المواقف، كيف يتخلى عن قيمه، كيف يعجز، وكيف يبيع نفسه والآخرين جراء الطمع وحب الذات. ثم تراه فجأة يتخبط في مفارقات لا يدري للخروج منها سبيلا. ثم تقترب منه أكثر حين يعشق وحين يتشبث بقيمه وحين تتجلى له حقائق الأشياء. حتما ستجد نفسك قريبا من هؤلاء، وإن لم تجد شيئا منك في أحد منهم فإنك ستكتشف أن كثيرين منهم يسيرون على مقربة من خطواتك.
«عينان مفتوحتان في الظلام»، نُشرت في طبعتين مختلفتين، وفازت بجائزتي “اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب”، و”سعاد الصباح للإبداع الفكري والأدبي للشباب العربي.

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
اظهر المزيد

توفيق باميدا

قاص وروائي مغربي.. صدرت له العديد من الأعمال الإبداعية آخرها رواية «شهريار يحكي ويقص» عام 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.