ثقافة وفنون

ورقة بيضاء (قصة قصيرة)

أبت الرياح أن تستسلم لأشعة الشمس الدافئة فثارت وأثارت معها بعض ذرات التراب وأوراق الشجر و......

في يوم من أيام الشتاء الدافئة، حيث تحدت أشعة الشمس الرياح التي هاجمت مصر مع نوة المكنسة التي اجتاحت البلاد.

قررت معظم العائلات المصرية الخروج للمتنزهات للاستمتاع بأشعة الشمس الدافئة ومؤازرتها فى تحديها ضد الرياح.

افترش الناس الحدائق الغناء بملاءات ناعمة الملمس زاهية الألوان. أخرج الجميع أمتعتهم من الحقائب وعلا صوت الاطفال وهم يلعبون و يضحكون.

أبت الرياح أن تستسلم لأشعة الشمس الدافئة فثارت و اثارت معها بعض ذرات التراب و بعض أوراق الشجر و……ورقة بيضاء .

طارت الورقة البيضاء وظلت تطير مع الرياح إلى أن سقطت في يد طفلة شقراء ….

شهد طفلة شقراء جميلة تبلغ من العمر ثمانية . التقطت شهد الورقة البيضاء وهى سعيدة جدا ، فصاحت بفرحة قائلة :

– ماما .. ورقة بيضا نظيفة .. أنا عاوزه أرسم عليها .

أخرجت شهد من حقيبتها الصغيرة قلم رصاص و أقلام ألوان . و راحت ترسم وردة جميلة بألوان زاهية ، من جمالها شعرت بأنها تشم رائحتها العطرة .

أخذت شهد تتأمل وردتها الجميلة وهي سعيدة . فجأة سمعت صراخ أمها قائلة :

– أهو ده اللي انت فالحة فيه .. ما تروحي يابت تكتبي و تحفظي جدول الضرب بدل الهبل اللي بترسميه .

ذهلت شهد من صراخ امها و انهارت في الحال ، وصارت تبكي بكاءا شديد و مازالت امها تعنفها حتى سحبت منها الورقة وألقتها بعيدا قائلة :

– طيب آدي الورقة أهي .. بلا رسم ولا نيلة .

طارت الورقة بعيدا و كأنها بساط سحري يطير على أنغام سيمفونية بكاء شهد.

التقط حلمي  الورقة قائلا بفرحة :

– أوبا .. لقطتها . .بصي دي ورقة بيضا نظيفة مرسوم عليها وردة جميلة.

كان حلمي شاب فى العشرين يجلس مع حبيبته وفاء تحت شجرة العشاق حيث حفر جميع العشاق أسماءهم عليها .

ضحكت وفاء وقالت بمرح :

– هههه ماهو انت كده بتعرف تلقط الورد .

اقترب منها حلمي ووضع يده على كتفها في حنان و نظر في عينيها قائلا :

– أنا حهدي الوردة دي لأجمل وردة .

ابتسمت وفاء و بعدت عنه في حياء مفتعل . أخرج حلمي القلم من جيبه و قال :

– أنا حرسم قلبين .. قلبي و قلبك .

رسم حلمي القلبين بدقة شديدة لدرجة أن وفاء شعرت أنهما ينبضان . أمسكت وفاء بالورقة وقالت :

– طيب بص هات القلم وأنا ح رسم لك رسمة أحلى.

أخذت وفاء القلم من حلمي و رسمت بيت صغير مكون من غرفتين وصالة .

– بص .. إيه رأيك؟

سكت حلمي و أطرق برأسه قليلا ثم قال :

– يا حبيبتي أنا نفسي أجيب لك أجمل بيت في الدنيا .. بس انت عارفة ظروفي .

– يعني إيه يا حلمي .. انت عارف أننا بقالنا سنة مع بعض و الشجرة دي تشهد على حبنا . بس كده كتير لازم يبقى فيه خطوبة ولو بدبلة .

– خطوبة إيه يا حبيبتي .. انت عارفة أنا لسه مستلم الشغل من شهرين بس . … طيب انت قلبتيها غم ليه ما كنت برسملك قلبين دلوقت .

– قلبين ؟ هو القلبين دول يأكلوا عيش يا بني ما تفوق شوية .. هو انت حتخللني معاك ؟!

– أخللك ؟ بقولك قلبين تقوليلي خل و مخلل .

ألقت وفاء بالورقة بعيدا و علا صوتها وهى تقول :

– بص يا حلمي .. أنا عاوزه أتجوز. . لما تبقى جاهز بشقتك تعالى كلم بابا .

– كده برضه يا وفاء ؟ هو ده اللي اتعاهدنا عليه عند الشجرة .

قامت وفاء و التقطت حقيبتها وهى تقول :

– خليك انت قاعد جنب الشجرة و ارسم قلبك لوحده .

تركته وفاء و ذهبت بعيدا و جلس هو يراقب الورقة البيضاء المرسوم عليها وردة و قلبين وهى تطير بعيدا .

التقطت غرام الورقة البيضاء المرسوم عليها وردة و قلبين . غرام زوجة فى أواخر العشرينات من عمرها ، تزوجت من عام وانجبت طفلتها وسام.

أمسكت غرام بالورقة و أبدت لزوجها إعجابها بالوردة و القلبين :

– الله .. إيه الجمال ده ؟! شفت الوردة و القلبين .

لم يعرها زوجها أي انتباه . أخرجت غرام القلم من حقيبتها و كتبت بيت شعر جميل . و ناولته لزوجها ليقرأه :

– بص ألفت بيت شعر .. اقراه وقولي رأيك فيه !

– شعر ؟ هو أنت يا هانم بتكتبي شعر و سايبه بنتك تلعب في الرملة .

– طيب ما تلعب و بعدها أغسلها إيدها.

ألقى زوجها بالورقة بعيدا وهو يصيح فيها :

– هو إنت إيه ؟ ما تاخدي بالك من بنتك و بيتك شوية .. شعر إيه اللي انت قارفاني بيه و سايبة بيتك يا مهملة .

بكت غرام كثيرا وهي تنظر الى الورقة البيضاء وهى تطير مع الرياح .

التقطت زوجة عبد القادر الورقة البيضاء المرسوم عليها وردة و قلبين ومكتوب عليها بيت شعر رومانسي ، قالت بحدة :

– طلع قلم يا عبد القادر علشان نكتب طلبات البيت.

أخرج عبد القادر القلم وأخذ الورقة من زوجته  ليكتب ما تملته عليه .

– اكتب عندك .. خمسة كيلو لحمة و فرختين … نص ملوخية ما تنساش تجيبها مقطفة .. جزر و خيار و طماطم و بطاطس و….

قاطعها عبد القادر قائلا :

– أنا مش حقدر أشيل الشيلة دي كلها .

مصمصت زوجته شفايفها و لوت بوزها و قالت :

– وهو إنت من أمتى بتقدر يا عبد القادر؟ شيل يا راجل وأهو نستفاد منك شوية بالنهار طالما ملكش عوزه بالليل .

أطرق عبد القادر رأسه خجلا من زوجته و نظر في الورقة و قال :

– طيب يا ست الكل كملي الطلبات .

– ايوه كده اتعدل أحسن لك .. هات الورقة نشوف كتبت فيها إيه ؟

ناول عبد القادر زوجته الورقة بيد مرتعشة فما لبثت أن طارت مع الرياح على أنغام سيمفونية رائعة من صراخ و سباب زوجة عبد الفتاح .

طارت الورقة بعيدا جدا حتى التقطها عبد الكريم قائلا :

– أهي خد ياض . طبقها و حطها في الجزمة بتاعتك .

بكى ابن عبد الكريم و قال :

– يابا الجزمة واسعة دي بتاعة اخويا الكبير و كمان مقطعة .

– بس يابن الجزمة .. حط الورقة والجزمة حتضيق .

وضع ابن عبد الكريم الورقة المطوية في حذائه و لبس الحذاء وهو متضرر . و ذهب إلى أمه يشكو ضيق الحذاء بعد أن وضع الورقة .

– حنعمل إيه يابني ؟ أبوك عبد الكريم طول عمره بخيل و جلده . استحمل يابني شوية .

جرى ابن عبد الكريم يلعب مع إخوته و بعد عن أبويه و هناك خلع حذاءه و أخذ الورقة المطوية و قطعها بغيظ إلى قصاصات صغيرة و تركها للرياح .

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

راندا جاد

كاتبة مصرية من محافظة الإسكندرية، شاركت في معرض الكتاب ٢٠١٩ بروايتها الأولى «عاهات وآهات».. تكتب في عدد من المواقع الإلكترونية
راندا جاد

Latest posts by راندا جاد (see all)

راندا جاد

كاتبة مصرية من محافظة الإسكندرية، شاركت في معرض الكتاب ٢٠١٩ بروايتها الأولى «عاهات وآهات».. تكتب في عدد من المواقع الإلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.