أحوال مصر

مأساة البحث العلمي في مصر

والسؤال هنا: مَن سرق مِن مَن؟ ولماذا وافقت «د. أماني» علي منح الطالبة درجة الماجستير

جمال بهنساوي

جمال محمد عبد العال بهنساوي.. باحث دكتوراة، بقسم علم النفس التربوي - كلية الدراسات العليا للتربية – جامعة القاهرة. ومعلم لغة إنجليزية بوزارة التربية والتعليم المصرية

Latest posts by جمال بهنساوي (see all)

هالني ما أطلعت عليه علي شبكة التواصل الاجتماعي فيس بوك من نشر أحد أساتذة الصحة النفسية والإرشاد النفسي، الأستاذة الدكتورة /أماني عبد المقصود عن واقعة سرقة رسالة ماجستير وسرقة بحثين من أبحاثها المنشورة ولقد وثقت الدكتورة أماني عبد المقصود ما أدعته بالمستندات، ونشرتها علي صفحتها علي الفيس بوك، ومنها ما نشرته جريدة أخبار اليوم علي موقعها الإلكتروني بعنوان “سحب درجة الماجستير من مرقبين وباحثة مصرية” بتاريخ 7-6-2019، وجاء في سياق الخبر أن مجلس جامعة عين شمس قرر سحب درجة الماجستير من الباحثة ريم عبد الفتاح إبراهيم بقسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس تنفيذا لقرار مجلس التأديب الذي كانت الطالبة قد تم إحالتها إليه للتحقيق في واقعة سرقة معظم رسالتها من الباحثة إسراء عبد المقصود عبد الوهاب مدرس علم النفس ذو الاحتياجات الخاصة بقسم الدراسات النفسية بمعهد الدراسات العليا للطفولة ـ وأثبت مجلس التأديب صحة الواقعة وأوصي بسحب درجة الماجستير من الباحثة ريم عبد الفتاح”.

كما نشرت الأستاذة الدكتورة أماني عبد المقصود – علي موقعها علي الفيسبوك – وثيقة تشير إلي قرار الأستاذ الدكتور رئيس جامعة المنوفية رقم (737) بتاريخ 26-3-2019م “بمجازاة السيدة الدكتورة/ هناء السيد محمد علي- الأستاذ المساعد بقسم الإعلام التربوي بكلية التربية النوعية بأشمون – بعقوبة اللوم – مع تأخير التعيين في الوظيفة الأعلى لمدة سنة واحدة، عما نسب إليها من إخلالها بالأعراف والتقاليد الجامعية بان قامت بسرقة بحثين علميين من أبحاث أ.د/ أماني عبد المقصود عبد الوهاب – أستاذ الصحة النفسية والإرشاد النفسي بقسم العلوم التربوية بذات الكلية والجامعة الأول بعنوان “مواقع التواصل الاجتماعي وجودة الحياة الأسرية”، والثاني بعنوان ” فاعلية برنامج إرشادي لتنمية بعض أساليب التعامل مع الضغوط الأسرية والتدريب عليها لدي الأبناء والشباب من الجنسين في كل من الريف والحضر” ودمجهما في بحث واحد قامت بإعداده بعنوان “أثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي علي جودة الحياة الأسرية لدي الشباب الجامعي في ضوء بعض المتغيرات الديموجرافية”.

والغريب في الأمر أن الأستاذة الدكتورة / أماني عبد المقصود، كانت أحد أعضاء لجنة مناقشة الباحثة / ريم عبد الفتاح إبراهيم محمود، ووافقت علي منح الطالبة درجة الماجستير عن الرسالة المقدمة من قبل الباحثة وهي بعنوان “فاعليه برنامج إرشادي قائم على المساندة الوالدية لتحسين نوعيه الحياة للأطفال المعاقين عقلياً (القابلين للتعلم)” ، بتاريخ 1-1-2016م حسب موقع إتحاد الجامعات المصرية،  إلا أن الجامعة أصدرت القرار سابق الذكر وسحبت درجة الماجستير من الباحثة والمراقبين نظرًا لسرقة الباحثة معظم رسالتها من رسالة دكتوراة للباحثة/إسراء عبد المقصود عبد الوهاب فاعلية، وهي بعنوان “برنامج لتحسين مستوي التوافق النفسي للأطفال المعاقين عقلياً القابلين للتعلم باستخدام تكنيك المساندة الوالدية للأمهات” بتاريخ 1-1-2006 موقع إتحاد الجامعات المصرية. ولقد أشارت الأستاذة الدكتورة / أماني عبد المقصود إلي أنه “تمت السرقة من الباحثين كاملا إطار نظري واستبيان وجداول إحصائية ورسوم بيانيه حتى تفسير النتائج وطبعا المراجع والملاحق”.

والأغرب في الأمر أيضًا أن هناك بحث منشور بعنوان ” فاعلية برنامج لتحسين مستوى جودة الحياة الأسرية للوالدين وتحسين التوافق النفسي لأبنائهم المعاقين عقليا القابلين للتعلم”. وهذا البحث من أعداد أ.د/ أماني عبد المقصود عبد الوهاب، أستاذ ورئيس – قسم العلوم التربوية والنفسية-  وأ.د/ عبير عبد الله شعبان –أستاذ ورئيس قسم التربية الفنية- وأ.م.د/ إيمان حمدي عمار- أستاذ أصول التربية المساعد – وأ.م.د/ سماح حلمي يس – أستاذ المناهج وطرق التدريس المساعد-  ود/مصطفى سلامة – مدرس تكنولوجيا التعليم ، وهذا البحث منشور في مجلة كلية التربية ، جامعة المنوفية عام 2017م العدد الأول، (توجد نسخة من البحث علي شبكة الإنترنت بصيغة pdf). ويلاحظ هنا أن موضوع البحث هو نفس موضوع رسالة الماجستير للباحثة/ ريم عبد الفتاح إبراهيم.

والسؤال هنا: من سرق من من؟ ولماذا وافقت الأستاذة الدكتورة أماني عبد المقصود علي منح الطالبة درجة الماجستير من الأساس مع العلم أن الباحث مستخدمة مقياس المساندة الوالدية، وهو من إعداد أ.د/ أماني عبد المقصود( 2013)، ولقد أشارت الباحثة إلي ذالك في رسالتها. كما أن الباحثة ريم عبد الفتاح إبراهيم أشارة لاستخدامها لمقياس جودة الحياة لذوى الاحتياجات الخاصة (إعداد/ صلاح الدين العراقي، 2006)، ولكن الأستاذ الدكتورة/ أماني عبد المقصود استخدمت مقياس جودة الحياة الأسرية: وهو من إعدادها بتاريخ (2015) وهو منشور في مكتبة الأنجلو المصرية.

وفي سياق الموضوع نشرت جريدة الفجر علي موقعها الإلكتروني خبر بعنوان ” رئيس جامعة عين شمس يقرر سحب درجات الماجستير المزورة من عراقيين وباحثة مصرية ” بتاريخ 8-6-2019، وجاء في سياق الخبر أن “مجلس جامعة عين شمس قرر برئاسة الدكتور عبد الوهاب عزت رئيس الجامعة سحب درجتي الماجستير من طالبين عراقيين كانا قد حصلا علي الماجستير من قسم الأشعة التشخيصية بكلية الطب جامعة عين شمس، وبعد منحهما الدرجة العلمية اكتشفت الجامعة أن الرسالتين مسروقتان من طالب عراقي ثالث دون علمه كان قد حصل علي نفس رسالة الماجستير بشكل صحيح في الأشعة التشخيصية من طب عين شمس أيضا”.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا إلي أين يذهب البحث العلمي في مصر والوطن العربي، ولماذا هناك تقصير من جانب المشرفين علي الرسائل العلمية وكذلك من يقومون بمناقشتها؟ ولماذا أصبحت المناقشات شبه شكلية في أغلب الأحيان دون التدقيق من هيئة الأشراف فيما يكتبه الباحثين في بحوثهم؟ والإجابة علي هاذين السؤالين تكمن في ببساطة في كم الرسائل العلمية التي تمنحها الجامعات المصرية دون وجود عدد كافي من الأساتذة المشرفين وكذلك عدم وجود الوقت الكافي لمراجعة البحوث والرسائل التي يشرفون عليها، ضيف إلي ذلك عدد من الرسائل التي في حاجة إلي تحكيم فكل هذا يحتاج إلي كم ومجهود من أعضاء هيئة الإشراف العلمي بالجامعات المصرية ، فيحين نجد أن المكافئة عن الإشراف عن كل رسالة علمية قد تستمر إلي متوسط ثلاث أو خمس سنوات هي مائتان وخمسون جنيهًا.

أما من ناحية السرقات العلمية المنتشرة في البحوث والدراسات، فربما يكون سببه الأساسي هو أن هناك تقليد مازال يتبعه الكثيرون من الأساتذة المشرفين في الرسائل العلمية والبحوث التي تنشر في المجلات العلمية، وهي الإصرار علي كتابة فصل كامل يحوي الإطار النظري يغطي متغيرات البحث وفصل أخر يحوي الدراسات والبحوث السابقة وهما لهما أهمية في عرض جوانب الموضوع موضع البحث، إلا أن عند تناول الموضوع في دراسات جديدة لتغطية جوانب جديدة متعلقة بالموضوع لم تدرس من قبل تكون المعضلة وهي أن الباحث يحد نفسه أما معضلة، وهي إما تكرار ما كتبه الباحثون السابقون ولو حتى بطريقة إعادة السرد مع الحرص علي الرجوع إلي المراجع الأولية، وربما يتهمه الآخرون بالسرقة.

والدراسات والبحوث الأجنبية تخلصت من هذه المشكلة من خلال التخلي عن فصل الدراسات السابقة في الرسالة، والاعتماد فقط علي سرد نتائج الدراسات ذات الصلة بالموضوع من أجل أن تبين الفجوات البحثية التي تحتاج إلي دراسات وبحوث جديدة في نفس الموضوع، وبالتالي يكون هناك مبرر لإجراء الدراسة التي يقوم بها الباحث، أما من ناحية الإطار النظري، فتكتفي الدراسات الأجنبية فقط بعرض قليل من التعريفات لمصطلحات الدراسة من الدراسات السابقة مع توثيق ذلك وتشير باقتضاب إلي المراجع الأولية التي تتناول الموضوع أو المتغيرات بحيث يمكن للقارئ اللجوء إليها في حالة الحاجة إلي المزيد من المعلومات حول المتغيرات، وبالتالي يكون هناك ندرة في تكرار أي من الأطر النظرية في الرسائل العلمية أو حتى البحوث العلمية التي تنشر في المجلات العلمية.

وفي سياق هذه القضية هناك قضية أخرى متعلقة بها، وهي أن هناك مراكز ظهرت مؤخرًا وأخذت تعلن عن نفسها علي شبكات التواصل الاجتماعي تدعي بقدرتها علي تحضير الرسائل والبحوث العلمية من الألف إلي الياء بمقابل مادي، مما جهل هناك عدد من الباحثين يلجئون إلي هذه الطريقة، وهذا يتسبب في أمرين أخطر من بعضهما البعض، الأمر الأول هو أن الباحث الذي يلجأ إلي هذه الطريق ويسوقه حظه السيئ الحصول علي الدرجة العلمية  بها يصبح نقمة علي مجتمعه لأن بالرغم من أنه يحمل الدرجة العلمية الماجستير أو الدكتوراة   إلا أنه ليس لديه من العلم والمهارات العلمية أدني درجة مما ينعكس بالسلب علي المجتمع وعليه أيضًا من جوانب كثيرة قد تكون أخلاقية وسلوكية ونفسية واجتماعية. أما الأمر الثاني  الذي يترتب علي لجوء الباحث إلي هذه الطريق هو أن تكون هناك بحوث مكررة ولا قائدة منها غير ضياع مجهود الباحثين والمشرفين وغيرهم من القائمين علي عملية البحث العلمي في مصر.

ومن الجدير بالذكر، أن مثل تلك الرسائل المكررة أو المسروقة التي تم الكشف عنها كان من الممكن أن لا تمر مر الكرام لو أن هذه الكليات وبأقسامها تكون حريصة علي إقامة السيمينارات العلمية بصفة دورية ومستمرة ومعاقبة كل من يتكرر عدم حضوره لهذه السيمينارات العلمية من أعضاء هيئة التدريس من كل قسم من أقسام الكلية التابع لها، وأن لا يسمح بتسجيل أي رسالة علمية دون موافقة أغلبية أعضاء السيمينار الذين حضروا السيمينار بعد مناقشة الطالب في خطة البحث المقدمة منه وعدم الاعتماد علي أسم المشرف وتاريخ العلمي في الموافقة علي تسجيل موضوع الرسالة.

كما يجدر الإشارة هنا أيضًا إلي أنه بالرغم من أن أغلب الجامعات المصرية تشترط علي الباحثين إجراء الكشف عن نسبة الاقتباس في الرسالة وتحددها بألا تزيد عن نسبة 20% من الرسالة ، إلا أن الواقع يشير إلي أن البرامج التي تستخدم في تحديد نسبة الاقتباس تعتمد علي وجود جميع الدراسات والبحوث السابقة عليها وهذا الأمر في المواقع غير متاح، مما يجعل العملية روتينية تستخدم في جمع المال من الباحثين ليس أكثر. والحل هو وضع ضوابط صارمة من قبل هيئة من العلماء المصريين ويكون هناك إلزام من المجلس الأعلى للجامعات علي  إتباعها. كما يجب تغليظ عقوبة السرقات العلمية حتى يكون هناك راجع لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الأعمال أو من يتخاذل عن أداء واجبه من ناحية الإشراف العلمي أو تحكيم البحوث العلمية التي تنشر من أجل الحصول علي الترقية لدرجة علمية أكبر.

وفي الختام أتمنى أن يكون هناك حذر من قبل الباحثين فيما يخص كل الأمور التي أثيرت في هذا المقال، كما أتمني أن يكون هناك مواجه جادة من قبل القائمين علي البحث العلمي في مصر للتصدي لمثل هذه الظاهرة، كما أن حق الرد مكفول لكل من ورد أسمه في هذا المقال في نفس الجريدة.

 

*** لدي كل المستندات الدالة علي ما جاء في المقال ***

 

 

 

 

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

اظهر المزيد

جمال بهنساوي

جمال محمد عبد العال بهنساوي.. باحث دكتوراة، بقسم علم النفس التربوي - كلية الدراسات العليا للتربية – جامعة القاهرة. ومعلم لغة إنجليزية بوزارة التربية والتعليم المصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.