الثقافة والفنون

باقون وإن رحلوا

الحياة الفنية والاجتماعية لثمانية وخمسين مطربًا ومطربة من «النجوم المنسية»

بين دفتي كتاب تجاوزت عدد صفحاته 600 صفحة، امتعنا “زياد عساف” بمسيرة حياة فنية واجتماعية لثمانية وخمسين مطرب ومطربة؛ انتقاهم من مشرق الوطن العربي ومغربه على مدار عدة عقود وعلى الرغم من مسيرتهم الفنية الثرية إلا إنهم من وجهة نظر الكاتب  سقطوا من الذاكرة حيث جاء عنوان كتابه  “المنسي في الغناء العربي” إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب .

احتلت مصر الرقم الأكبر حيث جاء على ذكر ثلاثة وثلاثين مطرب ومطربة على رأسهم متعدد المواهب “سلامة حجازي” الذي برع في الغناء والتلحين والتمثيل المسرحي،كما برع في تقديم فن الأوبريت.

كما تناول حياة المطربة “منيرة المهدية” التي صعد نجمها عاليا لكن بصعود نجم أم كلثوم انصرف جمهور منيرة المهدية عنها ليلتف حول الصوت الجديد الذي لايزال رغم رحيل صاحبته منذ عقود يصدح عبر الأثير ولاتزال تهفو إليه الآذن بذات الحماس القديم.

جاء الكتاب على ذكر كل من حامد مرسي ،إبراهيم حموده ، حورية حسن صاحبة الأغنية الشهيرة ” من حبي فيك يا جاري  .. ياجاري من زمان .. لخبي الشوق وأداري ليعرفوا الجيران ” .

ولم يغفل الكاتب “سعاد مكاوي” التي عرفت برائعتها ” قالوا البياض أحلى ولا السمار أحلى .. قلت اللي شاريني جوه العيون يحلى ” .

تضمن الكتاب ايضا اسم الفنان النوبي “محمد حمام”  الذي وهب فنه للوطن منذ العدوان الثلاثي وكانت رائعته ” يابيوت السويس يابيوت مدينتي ، استشهد تحتك وتعيشي أنت ” أيقونة الأغاني الوطنية .

لم يغفل الكتاب والكاتب “نجاة على” حيث يخبرنا بأنها شدت بقصيدة الأطلال قبل أم كلثوم من تلحين المطرب والممثل والملحن” محمد فوزي” ويضيف لنا الكاتب لمحة عن حياتها الشخصية بتسليط الضوء على زواجها من “فؤاد الأطرش” شقيق “فريد الأطرش” وحصولها على لقب أميرة لكن كمثل معظم الزيجات الفنية، دب الخلاف سريعا وانتهى بالانفصال وتخليها عن اللقب .

تناول الكتاب أيضا مسيرة الفنان “عبد الغني السيد” الذي عانى في طفولته من قسوة زوجة الأب التى تخلت عن إنسانيتها لينهض الصبي ذات يوم من نومه مفزوع إثر سكب زوجة ابيه ماء مغليا عليه،  فقرر ابوه ارساله إلى أمه، ولكي تدبر مصروف معيشته  الحقته بورشة أستورجي ” تلميع الأثاث ” ولأن الموهبة لاتني تشق طريقها مهما تكدست الغيوم فنجد الصبي يعتصم من همه بالغناء فيسوق له القدر الموسيقار “زكي مراد” الذي قرر أن يتبناه، وإذا بنجمه يصعد  وتسري اغانيه بين الناس كسريان الماء الرقراق ولا نجد من الكلمات ما يعبر عن نجاح تلك الموهبة أصدق مما صرح به  الموسيقار “محمدعبد الوهاب”  أن “عبد الغني السيد” هزمه مرتين ، عندما ظهر على الساحة الغنائية وعندما رحل .

تتوالى الأسماء عبر صفحات الكتاب لتذكرنا بالمطربة “عصمت عبد المجيد” التي امتعتنا في أوبريت الليلة الكبيرة بشدوها كلمات الراحل صلاح جاهين” ياولاد الحلال عيلة تايهه طول كده،رجلها الشمال فيها خلخال دهب ” …

أتى الكتاب أيضا على سيرة  الفنان “سعد عبد الوهاب” الذي اشتهر برائعته ” الدنيا ريشة في هوا، طايرة ما بين جناحين أحنا انهارده سوا وبكره هنكون فين  في الدنيا ” والسر الغامض خلف احتجابه سريعا تاركا ساحة الشهرة.

وكان لابد أن يعرج على  الفنان “عبد العزيز محمود” والذي لايزال بعض السائقين يخطون على سياراتهم الأجرة عبارة ” تاكسي الغرام ” تذكيرا برائعته  ياتاكسي الغرام يامقرب البعيد ” متناولا مسيرته الفنية الطويلة والتي بدايتها ألم وآخرها ألم حيث أفل نجمه من بعد شهرة مدوية .

ضم الكتاب اسم الفنان “إسماعيل شبانة” شقيق الفنان “عبد الحليم حافظ “وقصة اعتزاله المبكرة حيث طغت شهرة شقيقة وطوت الأفاق بينما نجمه إسماعيل أخذ في الإفول مبكرا فآثر الإنسحاب .

لم يغفل الكتاب المطربة “أحلام” صاحبة أغنية “يا عطارين دلوني الصبر فين أراضيه ” .

كما لم يغفل مسيرة خفيفة الظل وأشهر منولوجست “ثريا حلمي” .

كذلك تناول مسيرة الفنان المبدع “علي إسماعيل” الذي لحن النشيد الوطني الفلسطيني ورائعته الخالدة “رايحين رايحين في ايدنا سلاح راجعين راجعين شايلين رايات النصر” .

أنهى النماذج المصرية بالثلاثي المرح ” وفاء وصفاء وسناء ” اللائي امتعن المستمع العربي بروائعهن ” حلاوة شمسنا ، ومانتاش خيالي ياولد ، سبحة رمضان لولي ومرجان ، أهو جه ياولاد أهو جه ياولاد … مسيرة غنائية تستحق تسليط الأضواء عليها .

 

 

نذهب إلى لبنان حيث تناول الكتاب مسيرة تسعة مطربين ومطربات طواهم النسيان في مقدمتهم  “عائلة بندلي” التي قدم الجيران فيها شكوى للشرطة نظرا للإزعاج الذي يصدر عن البيت ليل نهار،حين قدم البوليس وسمع موسيقاهم وغناءهم قال لهم الضابط ” خليكن عم بتدقوا وتغنوا ولايهمكن حدا ” .

ذاع صيتهم في سبعينات القرن الماضي وهي عائلة فنية من أخوة وأخوات بلغ عددهم أثنى عشر،جمعهم الحب والغناء وقد قيل أن مبيعات أسطوانات عائلة بندلي تفوقت على مبيعات أسطوانات أم كلثوم وقتها كما فاقت شهرة فيروز ووديع الصافي ولكن الحرب اللبنانية  أبت إلا أن تشتت أفراد العائلة ليتوزعوا في الأرض بين أوربا وأمريكا ويجهض مشروعهم الفني الذي قوامه وجودهم معا.

وكان لابد للكاتب والكتاب أن يأتي على ذكر المتفردة “لور دكاش” صاحبة أغنية “آمنت بالله، نور جمالك آية من عند الله آمنت بالله” ويذكر حكاية طريفة ـ أن الكهرباء انقطعت عن منزلها بالقاهرة وحين بلغت الأعطال هاتفيا، اشترط عليها الموظف أن تغني له على الهاتف آمنت بالله حتى يعيد التيار الكهربائي وكان…

ويعرج الكتاب على ذكر الطفلة اللبنانية المعجزة “هيام يونس” التي بدأت مسيرتها ولم يتجاوز عمرها أصابع اليد الواحدة مرددة أغاني أم كلثوم “سلوا قلبي” و”ريم على القاع “ومن المعروف أن هيام شدت على مسارح الوطن العربي بكل لهجاته وقد باعت إحدى أسطواناتها ربع مليون نسخة .

ومن سوريا جاء الكاتب على ذكر ستة مطربين ومطربات منهم “رفيق شكري” الذي بدأ حياته عاملا في مصنع للكبريت ولا يلبث أن نهض بتطوير الأغنية الشامية .

“سهام رفقي” التي أفل نجمها سريعا عقب زواجها حيث أشترط عليها الزوج اعتزال الفن ولم يكتف بذلك بل سحب أسطواناتها من السوق ليمعن في احكام دائرة النسيان حولها .

“حمزة شكور”

طاف حمزة شكور دول العالم بفرقته الصوفية والتي أطلق عليها فرقة “الكندِي” نسبة إلى الفيلسوف والرياضي الفلكي العراقي “محمد بن يعقوب الكندي”عاونه في تكوينها الموسيقار الفرنسي “جوليان فايس” الذي أسلم فيما بعد وتبدل اسمه إلى “جلال الدين فايس” ويعد حمزة واحدا من الذين حافظوا وروجوا للتراث الغنائي السوري ويذكر الكاتب أن المكتبة الموسيقية للجامع الأموي تحتفظ بالعديد من ابتهالات حمزة شكور .

يطير بنا الكاتب إلى العراق وحكاية مطربة طواها النسيان ،فمن يسمع عن “عفيفة إسكندر” ؟ لقد فتنت يوما ما جمهور العراق بسحر صوتها حتى بات يتزاحم على أبواب المسارح التي تشدوا فوق خشباتها فاطلقت عليها الصحافة عدة ألقاب منها فاتنة بغداد وشحرورة العراق ، بلغ رصيدها الغنائي ” 1500 أغنية ” وقد شدت بقصيدة “بشارة الخوري” “ياعاقد الحاجبين على الجبين اللجين” قبل فيروز، شاركت عفيفة إسكندر في عدة أفلام منها فيلم “بورسعيد” مع عبد الوهاب وفيلم “القاهرة ـ بغداد” وأيضا فيلم “ليلى في العراق”، فارقت الحياة عن 91 عاما  في بيت بسيط وقد تخلت عنها الأضواء وتفرقت الصحبة ولم يبق بجوارها سوى  جارتها الطيبة “أم عيسى” التى عاونتها على وهن الشيخوخة .

عوض الدوخي

موهبة كبيرة انطلقت من الكويت” بعد فاصل من المعاناة فالحياة لاتلقي بالجوائز جزافا فلابد من مشقة ولابد من جلد ويروي لنا زياد عساف كيف تعنت صاحب محل تسجيل أسطوانات مع الفتى الطامح رافضا صوته ،مستهينا بموهبته لكن الفتى يؤمن بنفسه أيما إيمان،فثابر”عوض الدوخي” الذي تحققت وتجلت موهبته فوق ظهر مراكب الصيد حين عمل مع البحارة،ولم يهدأ له بال حتى  ترددت أصدأ صوته في أنحاء الوطن العربي.

قدم عوض الدوخي ما يربو عن 200 لحنا،سجل معظمها للإذاعة الكويتية كما شدا بالعديد من الأغاني العاطفية مثل ” أسأل العشاق” ، “أنت غدار” ، “دع الوشاة” ،وغيرها …. ”

عرف عن الدوخي تأثره بأم كلثوم وقد تجلى هذا التأثر بالشدو بأغانيها مضفيا بصمته الخاصة وقد أشادت أم كلثوم بتجربته حيث لم يقلدها ولم يحط من قدر روائعها بغنائه لها .

يحلق بنا زياد عساف إلى تونس لنعيش تجربة “الهادي الجويني” وكمثل سلامة حجازي وعبد الوهاب وغيرهم من مشاهير القرن العشرين لعب ما يعرف ب ” الكُتاب ” دورا مهما في اتقانهم للغة العربية وفنون التجويد وإثراء وجدانهم ولا يغفل دور الجالية الأسبانية في تونس وتأثر الجويني بموسيقاهم فتأثر بموسيقى “الفلامنكو” ووظفها في الأغنية التونسية .

أخذ الهادي الجويني على عاتقه الحفاظ على التراث الغنائي التونسي في ظل سطوة الاستعمار الفرنسي فانضم إلى جماعة “تحت السور” ضمت فنانين وكتاب وموسيقيين جل همهم الحفاظ على هوية تونس الثقافية ثم التحق بالمدرسة الرشيدية كي يستزيد علما بفن الموشحات والغناء الأندلسي حتى أهلته مسيرته ليكون أبرز المطربين والملحنين في تونس تلك الفترة .

ولا يفوتنا أن نأتي على ذكر صاحبة “على اللي جرى ، بس أما تيجي وأنا أحكيلك  عاللي جرى” والتي طبقت شهرتها الأفاق ولايزال رائعتها ترددها حناجر العديد من المطربين والمطربات الجدد،فهل حقا طوى النسيان “عليا التونسية” كما يعتقد زياد عساف ؟

وأخير نعرج على المغرب لنلقي ولو قليلا من الضوء على فرقة ” جيل جلالة ” وقصة نجاح لمجموعة من الشباب بزغ نجمها في الغناء الصوفي لتوظيفهم التراث المغربي في أغانيهم التي لم تخل من الحداثة فكان للفرقة أصدأ واسعة،فقدمت الأمسيات الغنائية على مسارح الكويت ولبنان والعراق وسوريا والأردن وأيضا مسارح أوربا وتعد أغنية ”  الله يامولانا .. سبحان الحي الباقي .. جود عليا .. ولاتجعلني شاقي ” تعد الأغنية الأكثر رواجا في البلاد العربية ”

كتاب زياد عساف يستحق أكثر من مقالة وأتمنى أن تتكرر التجربة لتشمل المنسيين الذين أثروا السينما العربية والفنانين التشكليين والمصورين وكذلك علماء الأمة .

 

 

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

آمال الشاذلي

كاتبة وأديبة مصرية وعضو اتحاد كتاب مصر
آمال الشاذلي

Latest posts by آمال الشاذلي (see all)

آمال الشاذلي

كاتبة وأديبة مصرية وعضو اتحاد كتاب مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.