مساحة للاختلاف

أزمة التعليم الطبي في مصر (3)

إعداد طالب الطب - مرحلة البكالوريوس و الإمتياز 

يتخرج الطبيب في مصر وهو يحمل لقب طبيب وجراح
يتخرج الطبيب في مصر و هو لا يعرف ماذا يطبب وكيف يقوم بإجراء جراحة و على فكرة هذا ليس الحال في مصر ولكن في كل أرجاء المعمورة … و قبل أن تتعجل و يرتفع صوتك إعتراضاً دعني أقول لك أن دراسة الطب تهيئ الطبيب إلى الإنخراط في مرحلة التخصص … حتى الممارس العام لابد له من دراسات متخصصة ليضحى ممارساً عاماً بالمسمى الإنجليزي و الأوروبي أو طبيب أسرة بالمسمى الأمريكي … إذاً فالمتخرج حديثاً من كلية الطب يجب أن يكون لديه مقومات محددة و تلك المقومات هي ما تجعله قادراً على ممارسة مهامه كطبيب محترف في أي تخصص يختار و لسنا بصدد الحديث عن تلك المقومات و لكنها معروفة لكل قائم على العملية التعليمية في كليات الطب و هي ما تتنافس كليات الطب على تحقيقه و يقاس نجاح أي كلية طب بمدى نجاحها في تحقيق تلك المقومات… تلك المقومات تغرس شيئا فشيئاً في الحمض النووي لمشروع الطبيب و يحتاج صقل المعلومات و الخبرات و الملكات و المهارات سنيناً طوالاً من الدراسة و المشاهدة و التعلم بالممارسة يحتاج إلى سنوات من الجهد و المثابرة يتخللها الكثير من التعب و الإحباطات و التضحيات الكثيرة من جانب الطالب و كذا من جانب من يقومون على العملية التعليمية…و قد تغيرت بعض المفاهيم مع مطلع الألفية و أصبح الطالب شريكاً في المسئولية : مسئولية تعلمه و أصبح المعلم ميسراً للتعليم و ليس ملقناً و أصبح التعليم الطبي يتجه نحو إكساب الطالب مهارات ذهنية و يدوية و خبرات حياتية و مهارات للتواصل مع المرضى و مع أقرانه و كيفية العمل في فريق و ما إلى ذلك … و تغيرت كذلك طرق التقييم من مجرد السرد إلى طرق أكثر حداثة و موضوعية …
فأين نحن من ذلك… ؟
أسمحوا لي أولاً أن أطمئنكم أن كلية الطب جامعة عين شمس كانت لها السبق في مجال تطوير طرق التدريس و مناهج الكلية و كان الفضل يعود في ذلك إلى الأساتذة محمد صادق صبور و أحمد سامي خليفة و عماد الدين فضلي رحمهم الله و الأستاذالدكتور عبدالرحيم عبدالله و خيري عبدالدايم و كذلك كان الحال في جامعة قناة السويس حيث كان الدكتور وجدي طلعت و من أساتذتنا الذين ساهموا كذلك الأستاذ الدكتور عزالدين عزام … أولئك و غيرهم في جامعات أخرى كانت لهم إسهامات قوية نتج عنها تغيير في فلسفة التعليم و لكنها لم تدم لفترة طويلة فإحداث التغيير يتطلب الكثير و أنا (بعد كل تلك السنوات التي قضيتها طالباًو معلماً ) أدرك تماماً أنهم كانوا ينحتون في الصخر بإمكانيات بسيطة و معوقات كبيرة … ثم أسمحوا لي بعد ذلك أن أسترجع معكم ذكريات أول مشروع متكامل لتطوير التعليم الطبي في مصر… أرجع بكم إلى العام ٢٠٠٥ عندما أنطلق هذا المشروع مدعوماً من هيئة المعونة الأمريكية و تحت رعاية المجلس الأعلى للجامعات و كان أسمه Health Workforce Development Project (HWD)… ذلك المشروع أشترك فيه العديد من الزملاء من كافة كليات الطب في مصر و كان الدينامو الذي يحركه هو أخي و صديقي و زميلي الأستاذ الدكتور علاء الفقي Alaa Elfeky…و لاتتصوروا كم ما تم إنجازه في وقت قليل من مجموعة آمنت بضرورة حدوث التغيير … ذلك المشروع لم يستكمل مع الأسف لخلافات حدثت بين الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي آنذاك و هيئة المعونة الأمريكية … لا أريد أن أدخل في تفاصيل كثيرة و لكن الكثير مما نعمل به الآن من آليات توصيف المقررات و البرامج و طرق التدريس الحديثة و استخدام معامل المهارات يرجع الفضل فيه إلى ذلك المشروع… لقد طفنا بمصر من أقصاها إلى أدناها و أحسبنا قد حققنا الكثير …
عودة إلى طلبة الطب : الدراسة كانت حتى العام المضي ٦ سنوات(٣ سنوات لدراسة أكاديميةو ٣ سنوات لدراسة إكلينيكية) + سنة تدريب تسمى سنة الإمتياز و كان مشروع الHWD قد حدد المهارات الإكلينيكية التي يجب أن يتقنها الطالب و حدد كذلك درجة الإتقان و أي من المهارات تتم في معامل المهارات و أيها يتم صقله خلال الإمتياز …
الوضع البائس و المثير للحزن أنه بالرغم من أن الطالب في كليات أمريكا و أوروبا يتعرض للدراسات الإكلينيكية منذ العام الثاني لدراسته و تكون له الفرصة أن يرى التطبيقات الإكلينيكية لدراسته الأكاديمية فإن طلابنا و حتى العام الماضي كانوا محرومين من ذلك و بحسب تقديري و الكثيرين من القائمين على العملية التعليمية كان تدريبهم الإكلينيكي منقوصاً و الكثير من تلك المهارات لا تكتسب أصلاً … من هنا جاءت فكرة البرنامج المتكامل EMP بطب عين شمس الذي ضمن تكامل الموضوعات الأكاديمية و ارتباطها بالتطبيقات الإكلينيكية كما ضمن التعرض المبكر للتدريب الإكلينيكي و كذلك إكساب الطلاب بعض المهارات الخاصة بالتعليم و التعلم و التحليل النقدي و الإستنباط و كذلك مهارات إدارة المشروعات (Personal and Professional Development -PPD)و هي تجربة رائدة تحمس لها الأستاذ الدكتور أحمد عماد راضي عندما كان عميداً للكلية و هي التجربة التي صاغت عليها لجنة المناهج بالكلية و بكليات مختلفة تجربة التحول إلى نظام ٥+٢ : حيث سيتيح النظام المتكامل تنقية المقررات من الحشو و التكرار و كذلك التركيز على إكتساب المهارات المختلفة منذ السنة الأولى و حتى السنة الخامسة… هل ستنجح تلك التجربة ؛ الوضع الحالي من الصعب الحكم عليه فحمل المناهج حتماً كبير مع طلبة غالبيتهم غير مهيئين أصلاً لذلك و ليس كل أعضاء هيئة التدريس على نفس المستوى من الجاهزية لتطبيقه و هناك أيضاً مشكلة الأعداد الكبيرة المقبولة بكليات الطب على وجه العموم…
يعقب ذلك سنتان إمتياز … فماذا عسانا فاعلين بمشاريع الأطباء خلال تلكما السنتين؟ مع الأسف الوضع الحالي للإمتياز مذرٍ … و بالرغم من وجود برنامج محدد تم إقراره على مستوى القطر إلا أنه لا أحد يهتم بتنفيذه على الوجه الصحيح و أصبح أطباء الإمتياز يهربون من المستشفيات الجامعية إلى مستشفيات وزارة الصحة ليس لأن التدريب بها أفضل و لكن لأنه لن يطلب منهم مشاوير إلى بنك الدم أو الأقسام الأخرى أو شراء وجبة العشاء للنواب … و هناك من يبيع النوبتجيات للتهرب منها … فإذا كان الوضع سيستمر كما هو بحيث تصبح السنتان امتداداً مذرياً لنظام السنة الواحدة فعلينا و عليكم السلام …
أطلت عليكم و لكني أختصرت الكثير و أرجو ألا يكون إختصاراً مخلاً مع ثقتي أن منكم من هو أقدر مني على سد الثغرات من خلال تعليقاتكم…
كلمة أخيرة …مشكلتنا في مص ليس في أعداد الأطباء (حتى مع تسرب الكثيرين إلى الخارج) و لكن هي بالتأكيد مشكلة إعداد… و مابين الأعداد و الإعداد شأن لو تعلمون عظيم…

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتور عمرو نديم

أستاذ أمراض النساء و التوليد بكلية الطب جامعة عين شمس
الدكتور عمرو نديم

الدكتور عمرو نديم

أستاذ أمراض النساء و التوليد بكلية الطب جامعة عين شمس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.