علوم وتكنولوجيا

دروس مستفادة من حادثة محطة نووية أمريكية

تسبب هذا العطل فى ارتفاع درجة حرارة مياه تبريد الدائرة الابتدائية

منذ إنشاء أول مفاعل نووى لتوليد الكهرباء عام 1954، وموضوع الحوادث النووية له الأولوية القصوى، فهو الدافع الأساسى للتطوير المستمر فى منظومة الأمان النووى. ودائما هناك تطوير فى تكنولوجيا منظومة الأمان النووى لتفادى حدوث حوادث نووية، أو للحد من مخاطرها فى حالة حدوثها. فقد تنطوي الحوادث النووية على خسائر في الأرواح أو خسائر مادية بسبب تأثيرها على البيئة نتيجة ارتفاع مستوى الإشعاع فيها، أو نتيجة تكاليف الصيانة أثناء توقف المحطة عن العمل وتكاليف إزالة المحطة النووية، وتكاليف ضياع أصل من أصول توليد الكهرباء ذو التكاليف الباهظة. لكن وعلى الرغم من أن الحوادث النووية تعتبر مرعبة ومخيفة، إلا أنها تعتبر الأقل فى عدد الوفيات عن باقى الحوادث الأخرى.

هناك ثلاث حوادث نووية شهيرة، ومنها حادثة محطة “ثرى مايل أيلاند – الوحدة رقم 2” بولاية بنسلفانيا فى أمريكا. هذه الوحدة بدأ البناء فيها فى 1 نوفمبر 1969، ودخلت الخدمة الفعلية فى 30 ديسمبر 1978، أى أن أستغرق تنفيذها مدة 9 سنوات. ولم يمر على تشغيلها أربعة أشهر إلا وحدثت بها حادثة ( الآن مر أربعون عاما على هذه الحادثة)، ففى 28 مارس 1979 ونتيجة حدوث عطل فى نظام تبريد الدائرة الثانوية، تسبب هذا العطل فى ارتفاع درجة حرارة مياه تبريد الدائرة الابتدائية الموجود فيها الوقود النووى، وارتفع معه ضغط الدائرة الابتدائية، وهذا بدوره تسبب في إيقاف تشغيل المفاعل تلقائياً.

نتيجة زيادة ضغط الدائرة الابتدائية، بدأ صمام تخفيف الضغط، والمركب على الضاغط (منظم ضغط الدائرة الابتدائية) فى العمل، ولم يغلق مرة ثانية، ونظرا لأن أجهزة الوقاية (الأمان) المتاحة فى هذا الوقت لم تكتشف هذه الحقيقة، فقد أدى إلى حدوث الحادثة. وهناك سبب آخر تسبب فى الحادثة، ألا وهو أن طقم تشغيل المفاعل كانوا غير قادرين على تشخيص الحادثة، وبالتالى لم تكن هناك استجابة بشكل صحيح للتعامل مع الحادثة. ومع الوقت بدأت مياه تبريد الدائرة الابتدائية فى التسرب من صمام تخفيف الضغط، وتعرى الوقود النووى من مياه التبريد، ونتيجة عدم إزالة حرارة الاضمحلال المتبقية فى قلب المفاعل، بدأ قلب المفاعل فى الانصهار، وعانى قلب المفاعل من انهيار جزئي نتيجة ذلك، وتسربت غازات ومواد مشعة داخل وعاء الاحتواء (الجزيرة النووية).

ونلخص أسباب الحادثة فيما يلى :

1- وجود نقص فى أجهزة غرفة التحكم، لكشف حالة امتلاء الضاغط بالمياه، وتسربها من صمام تخفيف الضغط.

2- عدم وجود أجهزة تكشف حالة تفريغ وعاء ضغط المفاعل من مياه التبريد.

3- عدم كفاية تدريب طقم تشغيل المفاعل لتشخيص مثل هذه الحالات من الحوادث، وعدم كفاية تدريبهم على التعامل مع مثل هذه الحالات من الحوادث. كل ذلك أدى إلى حدوث الحادثة.

لعب وعاء احتواء الجزيرة النووية دورا رئيسيا في تحجيم الخسائر، لكن كانت هناك انبعاثات ضعيفة أثرت على البيئة. فقد نتج عن هذه الحادثة إطلاق كمية من المواد المشعة فى البيئة المحيطة بالمفاعل النووى، تمثلت فى غاز الكريبتون-85 المشع، مقدارها حوالى 43 ألف كورى، مع كمية من اليود-131 المشع، مقداره 20 كورى.

تم تدارك الأخطاء التى أدت إلى وقوع الحادثة، وتم اتخاذ إجراءات تصحيحية، وتم تعميمها على مستوى منظومة الأمان النووى للمفاعلات النووية، سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة. وأدت هذه الحادثة إلى أحداث تغييرات في صناعة محطات توليد الكهرباء من الطاقة النووية حول العالم.

أجرت هيئة التنظيمات النووية الأمريكية ووكالة حماية البيئة، ووزارة الصحة ووزارة الطاقة، وكومنولث بنسلفانيا دراسات مفصلة عن الآثار الإشعاعية نتيجة الحادث. فمنذ وقوع الحادثة، تمت أكثر من اثنتي عشرة دراسة مستقلة بتقييم الإطلاقات الإشعاعية والتأثيرات المحتملة على الأشخاص والبيئة المحيطة بمحطة “ثرى مايل أيلاند”. ولم يتم العثور على أي آثار صحية أو بيئية على أنها حدثت نتيجة للحادثة. كما أجريت دراسة أكثر شمولية في عام 2002 من قبل كلية الصحة العامة بجامعة بيتسبرج. حيث تتبعت أبحاثهم حالة أكثر من 32 ألف شخص يعيشون على بعد 8 كيلومتر من المحطة عندما وقع الحادث.

خلصت هذه الدراسات إلى أن “هذا المسح للبيانات، والذي يغطي فترة الكمون الطبيعية لمعظم أنواع السرطانات، يؤكد أن النشاط الإشعاعي الصادر خلال الحادث النووي في محطة “ثرى مايل أيلاند” لا يبدو أنه قد تسبب في زيادة معدل وفيات السرطان بين سكان تلك المنطقة، خلال فترة المتابعة التى استمرت لأكثر من 20 عاماً”.

كما كانت هناك دراسات أخرى من عدة مجموعات مستقلة، شملت حوالي مليوني شخص يعيشون حول محطة “ثرى مايل أيلاند”، وخلصت هذه الدراسات إلى أن هؤلاء الأشخاص قد  تلقوا أثناء الحادثة جرعة إشعاعية متوسطة تقل عن واحد مللى ريم، أضافة إلى جرعة الخلفية الطبيعية والتى يتلقوها سنويا والبالغة حوالي 250 مللى ريم. جرعة واحد مللى ريم التى تلقاها الشخص من الحادثة، تعتبر أقل من الجرعة التى يتلقاها الشخص عند تناول كيس شيبسى (رقائق البطاطس المحمرة) في اليوم.

نعم، أدت هذه الحادثة إلى إحداث تغييرات كبيرة في صناعة محطات توليد الكهرباء من الطاقة النووية حول العالم، فقد أدى ذلك إلى تعديل فى فلسفة ومنظومة الأمان النووى للمحطات النووية، ومنها الزام مصنّعي المحطات النووية فى مختلف دول العالم، ببناء وعاء احتواء للجزيرة النووية، مع وضع أجهزة لامتصاص غاز الهيدروجين داخل وعاء الاحتواء. كما شملت تعزيز دور هيئات الرقابة النووية فى الإشراف على تشغيل المحطات النووية، مثل وضع مفتشين متخصصين فى كل محطة، وفحص مستمر لجميع أنظمة ومعدات منظومة الأمان النووى فى المحطة. وكذا إنشاء معاهد متخصصة لضمان التدريب المناسب لأطقم التشغيل والصيانة.  والتأكيد على إثراء التفاعل المستمر ما بين هيئات التنظيمات النووية الوطنية ومشغلي المحطات النووية فى الدول المختلفة، بغرض تبادل الخبرات والدروس من التشغيل والصيانة.

من الدروس المستفادة من حادثة محطة “ثرى مايل أيلاند” النووية الأمريكية، هى أن التطوير المستمر فى فلسفة ومنظومة الأمان النووي، قد اضاف الكثير من التكلفة، إلا أنه جعل من المحطات النووية الأولى في الأمان بين المصادر الأخرى لتوليد الكهرباء.

هذا وقد تبين بعد مرور أكثر من ستين عاماً على تشغيل أول محطة نووية لتوليد الكهرباء، أن الطاقة النووية هي أكثر أنواع الطاقة أماناً. وهذا ينطبق على أى مقياس، سواء كانت معدلات الخطأ البشري، أو معدلات أعطال المعدات، أو معدلات إصابة العمال أو وفاتهم، أو الآثار على السكان المحيطين بالمحطة  أو البيئة المحيطة بالمحطة، أو معدلات عمليات الإغلاق غير المخطط لها.

ويهمنا هنا أن نذكر أن متوسط معدلات الوفيات لكل تريليون كيلووات ساعة للمحطات النووية، والناتجة على مدى السنوات الأربعين الماضية هى الأقل بالنسبة لباقى مصادر توليد الطاقة الكهربائية الأخرى، ويشمل هذا جميع الحوادث النووية التى حدثت في التاريخ. فنجدها فى المحطات النووية 0.1 شخص، وفى المحطات المائية 1400 شخص، وفى محطات الرياح 150 شخص، وفى المحطات الشمسية 440 شخص، وفى محطات الغاز 4000 شخص، وفى محطات البترول 36000 شخص، وفى محطات الفحم 100000 شخص. ولا تزال طاقة الرياح والطاقة الشمسية تقتل عدداً أكبر من الأشخاص لكل ميجاوات ساعة من الكهرباء الناتجة عن الطاقة النووية. ونود أن نشير إلى أن تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2018، قد أشار إلى تواصل ارتفاع ضحايا الحوادث المرورية في العالم، حيث وصل إلى 1.35 مليون قتيل فى العام، أى بمعدل قتيل كل 24 ثانية.

أشكركم، وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

______________________

المصدر:

موقع عالم الطاقة

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

اظهر المزيد

الدكتور علي عبد النبي

نائب رئيس هيئة المحطات النووية السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.