ثقافة وفنون

نوبة حراسة (قصة قصيرة)

لم يكد وكيل النيابة ينحنى كاشفاً وجه الجثة المسجاة حتى اعتدل غاضباً

فاض القلق بعوض وهو ينتبه على صوت أقدام تدب من بعيد ، ظلمة الليل الكثيفة تحجب الرؤية ، بينما هو كامن على جانب الطريق المُترب الضيق ، يستند بظهره إلى جذع الشجرة الوحيدة كأنه يحتمى بها ، يقبض بيديه على البندقية النصف آلى وصداع يطن فى رأسه يسبب له دواراً خفيفاً.

هذه المرة مستعد تماماً لمواجهة أى قادم ، لن يتردد فى إطلاق النار ، فى المرة الأولى لم يستعمل سلاحه ، تخاذل.. وتركهم يذهبون ، ظل منبطحاً على الأرض حتى كاد يختنق برائحة التراب ، لم يرفع رأسه إلا بعد أن ابتلعهم الظلام ، وابتعدت خطواتهم السريعة ، قام يتحسس الأرض بيديه ، مرتجفاً ، ترتعش أطرافه ، يختلط عرقه بالتراب اللزج ، تتساقط دموعه دون أن يدرى ، لم يكن يبكى ، فالموت أهون عليه من البكاء ، لكنه لم يشعر بالدموع المنسكبة دون إرادة منه ، حتى الضربة القوية التى تلقاها على رأسه ، نسيها أو لم يعبأ بألمها فى غمار لهاثه المحموم بحثاً عن بندقيته الحكومية ، ضياعها عار لا يمحوه الزمن.

اصطدمت قدمه بجسم صلب ، فانتفض بكل جسمه واستدار مطبقاً على البندقية ، ظنهم أخذوها ، تحسسها بأصابعه ، لا تزال الذخيرة معبأة فى خزانتها ، احتضنها ونهض قائماً بعد فوات الأوان ؟

كان نائماً عندما انقضوا عليه ، هده التعب والسهر فجلس على مقربة من جثة القتيل المغطاة ، أسند كعب بندقيته على الأرض بين قدميه وأحاط ماسورتها بذراعيه فى سأم ، ووحشة الليل تقبض قلبه ، ليست أول مهمة حراسة من هذا النوع تُعهد إليه ، لكنها أشدهم وطأة على نفسه.

ليس لأن المكان مُوحش ، بعيد عن العمران وسط الزراعات ، ويقع على طريق ضيق لا يخطو عليه إنسان بعد المغرب ، فعادةً ما تقع جرائم القتل فى مثل هذه الأماكن ، ولكن قضاءه الليل وحيداً يحرس الجثة ، برغم أنه أعتاد جثث القتلى ، ولم تعد تمثل له أى رهبة ، فلا يكاد يمر أسبوع دون حادثة قتل ، لكن هذا الشاب القتيل ، ليس من أهل المنطقة ، لم يتعرف عليه أحد من القرية ولا من القرى المجاورة ، ولم يُوجد معه ما يدل على هويته يبدو أنه جُرد عن عمد من متعلقاته، بعد أن تلقى عياراً مُحكماً أخترق رأسه ، فأرداه فى الحال.

انصرف الأهالى بعد حضور قوة الشرطة ، ولما كانت نوبته فى الحراسة ، فقد بقى بمفرده ، تركه الضابط ورجع ببقية الجنود ، ولم يلبث الليل أن أطبق عليه ، وهو وحيد ولأول مرة فى مثل هذه المهمة !

فقد جرت العادة على تجمع عدد كبير من أهل القتيل ، بمجرد التعرف عليه وذيوع الخبر يأتون مثل النمل من قراهم ونجوعهم ، ويتناوبون الحراسة بأنفسهم حتى حضور النيابة فى الصباح للمعاينة ، ويبقى وجود جندى الشرطة معهم مجرد عملية روتينية ، وبرغم جو الحزن الدامى ، فأنه لا يعدم كوباً من الشاى بين الحين والآخر ، وينال نصيباً من السجائر التى لا يتوقف تدخينها طوال الليل ، والأهم أنه كان يجد الأمان والونس فى صحبة الرجال الساهرين معه ، وهو ما يفتقده تماماً هذه الليلة.

تسلل النعاس إلى جفونه التى أثقلها التعب والملل ، بعد عدة ساعات قضاها ما بين الجلوس والتمشية لخطوات محدودة حول المكان ، التدخين الجاف بدون رشفات الشاى الذى هو فى أشد الحاجة إليه ، ألهب حلقه ، نفذت زمزميته الصغيرة ولم يستطع أن يملأها ، خشى أن يترك الجثة فتنهشها الذئاب.

قام برغم الحر ، أشعل كومة حطب كبيرة جمعها من الأغصان الجافة ، عساها تؤنس وحدته وتبعد عنه خطر الذئاب.

بمجرد أن عاد لجلسته قرب الشجرة ، غاب فى إغفاءة ، دون أن يفطن إلى أن هناك ذئاب أشد ضراوة تترصده.

انتبه والبندقية تُنتشل من بين ذراعيه بخفة وسرعة ، رفع رأسه ، بالكاد لمح عدة رؤوس مُلثمة تحيط به ، قبل أن يكتمل إدراكه تلقى ضربة قوية على رأسه ، شعر بدوخة ، لكنه لم يفقد الوعى.

صاح مستنجداً وهو يحاول عبثاً المقاومة ، مد يديه ليمسك بجلباب أقربهم إليه ، دفع قدميه فى رفسة عنيفة على أمل أن يُلقى بأحدهم فوق النار ، لكنه لم يجد سوى الفراغ ليمسكه ويدفعه ، ويد غليظة تقبض على كتفه ، وصوت أشد غلظة يحدثه.. مُهدداً.

–  أقفل خشمك.

لم يعرف غرضهم ، ماذا يريدون ؟ البندقية الحكومية ، وما حاجتهم إليها والسلاح لا ينقص الناس فى الصعيد.

التصقت بصدغه ماسورة ضخمة لمسدس ، انغرست الفوهة فى لحم وجهه ، حدة الصوت خفتت قليلاً وإن ظل التهديد بالموت محوماً فى النبرات القوية.

–  لا نريد أذيتك ، ليس لنا صالح وياك.. فاهم ؟

أصابه الخرس ، عجز عن النطق.

ثلاثة رجال ، أم أربعة ، لم يعرف ، لم يجرؤ على النظر ، لكنه أحس بالآخرين وهم يتجهون نحو القتيل ، بطرف عينيه وعلى ضوء النار الخافت ، لمحهم يرفعون الغطاء ، خشخشت أوراق الجرائد وهم يزيحونها ليكشفوها عن وجه الراقد تحتها.

ندت صرخة خافتة ، مكتومة ، آه يا بووى.. مُلتاعة ، حارقة ، من عمق صدر يتمزق.

لكن صوت كبيرهم الصارم ، دوى بحزم ، كطلقة رصاص قاتلة.

–  إخرس.

كلمة ، خرجت برغم قوتها ، مختنقة ، مبحوحة ،.. ربما لتعبر بغير قصد ، عن حزن أكبر وأشد ، مكتوم، حبيس الصدر ، يغمر القلب ويغرقه برغم الصلابة الظاهرة فى فيض من الألم.

تحرك المسدس لتصبح فوهته مسددة إلى رأسه ، فى نفس الوقت الذى دفعته اليد بقوة ، فاستسلم مائلاً بجسمه نحو الأرض ، دون أن يُبدِ أى مقاومة ، فلم تعد فى أعصابه بقية للتحمل ، وبينه وبين الموت ضغطة زناد.

–  إوعى تتحرك ، ولا ترفع رأسك.

فى لحظات ، كبله فيها الرعب ، فتخشب جسمه كتمثال هربت منه الروح ، حملوا القتيل وفروا به ، ابتعدت خطواتهم الثقيلة بحملها الدامى ، نحو المجهول الذى جاءوا منه جميعهم بمن فيهم الشاب التعس الذى أتى إلى هذا المكان ليلقى حتفه بعيداً عن أهله وعشيرته ، لسبب غامض ، باختفاء جثته ، أصبح من المستحيل كشفه ومعرفة دوافعه.

الثأر.. الانتقام ، ليست السرقة بالتأكيد هى السبب ، قد تكون خلافات أو مشاكل عائلية ، القاتل فيها من الممكن أن يكون أقرب الناس للقتيل ، ابن عمه ، أخوه ، أو حتى الأب نفسه.

بغياب التهديد ، سرت الحياة فى أطرافه ، ببطء شديد تحرك زاحفاً أول الأمر ، كأنه يحمل ثقلاً هائلاً ، ثم أعتدل على أربع ، متنقلاً على ركبتيه وكفيه ، همه الأكبر سلاحه ، فى يقينه أنهم استولوا عليه ، لكنه فى يأسه أخذ يضرب الأرض ويتحسسها ، يحدوه أمل ضئيل ، أن يسترد جزء من كرامته بعثوره عليه.

البندقية بين يديه ، يضغط عليها بأصابعه ، ظهره مستند إلى الشجرة ، لم يعد هناك من يحرسه لكن المصيبة التى تنتظره فى الصباح أعظم من أن يتحملها ، مصيبته ليست فى سرقة الجثة وإهماله فى حراستها، تقصيره فى المسئولية ، لا يحرك فيه شعوراً بالندم.

سنوات خدمته لم تشهد حادثة تُسئ إلى سجله الوظيفى ، التعرض للتحقيق والمسائلة لا يعنيه ، سيتحمله ، حتى ترقيته التى ستتأجل ، لا تجعله يحمل الهم ، لا يخشى العقاب ولكن أشد ما يخشاه ، الإهانة.. خاصة على الملأ ، فضيحة لا يستطيع أن يتحملها.

عند حضورهم فى الصباح الباكر ، واكتشافهم سرقة الجثة ، لن يعذره أحد ، فلا أعذار عندهم برغم تعرضه للتهديد بالقتل أمام عصابة من الرجال وهو بمفرده.

سيُقابل من رؤسائه بالسخرية المريرة والإهانة التى ستنال كرامته ورجولته بالأذى ، خصوصاً البيه المباحث بتاع مصر ، منقول جديد وجاى الصعيد على عينه ، يا وقعتك السودة من لسانه وكف يده ، يا خراب بيتك وفضيحتك قدام الناس ، علىّ الطلاق لو كان هو خدمة الحراسة لأتسرقت منه الجثة برضه ، لكن البخت الأسود فوق رأسك أنت لوحدك يا عوض.

قبع فى موضعه ، تتضخم فى مخيلته الأفكار الحالكة ، تطيش بعقله ، ولا يملك إلا أن يندب حظه ويحمل الهم وهاجس شخصى يضغط على أعصابه ، كيف يرفع رأسه أمام امرأته بعد أن يمر عليه الصباح ، بأى وجه سيدخل عليها البيت.

انتبه على أصوات تأتى من بعيد ، من فرط اضطرابه لم يستطع تمييزها ، انكمش وتحرك ليكمُن خلف الشجرة ، يترقب بحذر ، من يجرؤ على السير فى جوف الليل وفى مثل هذه السكة المقطوعة لن يكون إنسان مسالم بحال.

جذب أجزاء البندقية ، بمنتهى الخفوت ، لتصبح جاهزة لإطلاق رصاصة واحدة مع كل ضغطة أصبع ، دون الحاجة إلى آلية الإطلاق ، فمهما كانت خطورة ما يمكن أن يواجهه ، لن يستدعى الأمر إطلاق دفعة متتالية من الرصاص.

أخذ يسترق السمع ، ليتبين كُنه القادم أو القادمون ، أطل برأسه قليلاً من خلف الشجرة ، لكن الظلمة الحالكة حالت بينه وبين الرؤية ، قبل أن يبدأ صدى الحوافر المنتظم الوقع يتضح ، أعلن القادم الغامض عن نفسه بنهيق حاد متواصل ، بدد صمت الليل للحظات.

استرخى عوض فى جلسته ، وإن ظل فى مكمنه كما هو ، مجرد مزارع بسيط يمر ، مؤكد اضطرته الظروف للخروج فى هذه الساعة.

لم يكن قد تبقى من نيران الحطب ، سوى بقايا الجمر ، التى صنعت بقعة متقدة على ثوب الليل الممتد بغطائه الأسود على الأرض.

ما أن تجاوز الحمار الشجرة ، حتى ظهرت لراكبه الدائرة المتوهجة على جانب الطريق ، بدا الرجل وكأنه فوجئ ، فتلفت حوله مأخوذاً ، وشد الحبل الملتف على رقبة الحمار فأبطأ سيره حتى كاد يتوقف.

احتار عوض للحظة ، هل يُعلن عن نفسه للرجل الذى توقف تقريباً ، أم يظل صامتاً متوارياً حتى يمضى بسلام ، فالرجل لن يجرؤ على النزول من فوق ركوبته.

فى نفس اللحظة التى لكز فيها الرجل جانبى حماره ، ليستأنف سيره ، خطر فى ذهن عوض خاطر من وحى الموقف ، وسواس شيطانى هبط على عقله الضيق ، فكرة ، تصورها الحل القدرى لمشكلته.

اعتدل فى الحال ، متحفزاً ، مدفوعاً بأزمته الخانقة ، بهموم الدنيا جميعها التى تصور أنه يحملها فوق رأسه، بالضغط العصبى الهائل الذى لم يدع له مجالاً للعقل ، أو حتى الإحساس الطبيعى الذى يميز البشر عن غيرهم من المخلوقات.

حالة من التشتت افتقد معها كل قدرة على التركيز أو الاتزان ، جعلته لا يرى فى الرجل الذى كان يبتعد عنه بأقل من ثلاثة أمتار ، إلا مجرد جثة حية ، فقط ينقصها رصاصة فى الرأس ، لتصبح تماماً مثل تلك التى سرقت منه.

بلا تردد ، رفع البندقية وصوبها بإحكام برغم الصداع الذى يعانيه بسبب الضربة ، والتى تبين فيما بعد أنها أحدثت شرخاً فى جمجمته.

ضغط الزناد فانكفأ الرجل فى التو مائلاً بكل جسمه ، ليتهاوى على الأرض بمجرد انطلاق حماره الذى فزع من صوت الرصاصة ، فنهبت حوافره أرض الطريق جرياً.

فى حياته كلها لم يحسن التصويب ، كما فعل هذه المرة ، سحب الرجل من قدميه ، دون أن يجرؤ على النظر إلى وجهه ، تأكد من أنه أحتل مكان الجثة الأولى بنفس الوضع والاتجاه ثم جرده من كل ما يحمل ، واضعاً فى جيوب سترته كافة ما عثر عليه ، لم يفعل ذلك بغرض السرقة ، فهو يأبى أن يدخل بيته قرش حرام ، لكنه أراد أن يصبح قتيله مجهول الهوية تماماً كصاحب الجثة الأصلية ، وفى عزمه أن يتخلص مما استولى عليه فى أقرب فرصة ، بعد أن تنتهى المعاينة ، ويغادر المكان مع القوة مطمئناً.

بمنتهى الهمة رجع فأشعل النار بإضافة المزيد من الأغصان الجافة إليها ، ثم انهمك فى تغطية الدماء بالتراب حتى أزال أثرها من الطريق ، أشعل عود ثقاب وانحنى عند موضع بعينه ، انتشى وهو يمد أصابعه ليلتقط مظروف رصاصته الفارغ ويضعه فى جيبه.

مسترخياً ، مستريحاً ناعم البال ، كأحد الضوارى أشبعه الافتراس ، جلس يدخن ، دون أن تؤرق باله خاطرة من ضمير ، تصوره لما قد يصيبه من أذى ، جعله على استعداد لأى عمل يدفع به هذا الأذى عن نفسه ، غاضاً الطرف والعقل عما يمكن أن يسببه للآخرين فى سبيل دفاعه عن نفسه.

ها هى الجثة المجهولة الهوية ، ترقد أمامه ، مغطاة بورق الجرائد المثبتة بقطع الحجارة ، وهاهو الفجر يبزغ عليه ولم تغفل له عين ، أدى واجبه فى الحراسة كما ينبغى ، أو كما يريدون ، كل شىء على خير ما يرام ، أو هكذا ظن.

 

***

لم يكد وكيل النيابة ينحنى كاشفاً وجه الجثة المسجاة حتى اعتدل غاضباً.

–  إيه ده يا حضرة الضابط ؟

وأخذ ينظر إلى الضابط منتظراً منه تفسيراً لهذا التضارب بين ما جاءه فى الإخطار الموجه من الشرطة ، وبين هذا الذى يراه أمامه فى المعاينة.

لكن الضابط لم يكن أقل منه دهشة وغضباً ، فالتفت وهو يكاد ينتفض حنقاً نحو جنوده.

–  أين عسكرى الحراسة.

–  تمام يافندم.

زاد من تعجبه أن يجد الجندى ثابتاً ، لا يبدو عليه أثر للاضطراب كما كان يتوقع.

–  أين ذهبت الجثة.. انطق.

–  الجثة فى مكانها يافندم.

–  يا بنى أدم ، القتيل شاب فى العشرينات ، وده راجل عجوز فوق الستين ، ماذا حدث ؟

–  لا أعرف ، الجثة فى مكانها ، على حالها كما تسلمتها أمس ، لم يقترب منها مخلوق.

لم تجدِ محاولات الضابط وأسئلته ولا تهديده وشتائمه ، أصر عوض على موقفه ، لم يتزحزح ، صنم من صخر أصم ، لا أعرف .. الجثة فى مكانها ، الجثة على حالها ، لا يزيد على ذلك ، لم يبالِ بانفعال قائده ، أو إنكار الجميع ودهشتهم ، بمن فيهم الأهالى ، الذين تجمعوا على بُعد ، يتابعون المشهد الغريب صامتين  كعهدهم أبداً ، طالما أن الأمر لا يمسهم وإن أضمروا فى أنفسهم السخرية مما يحدث ، برغم القلق الذى داخلهم بشأن شخصية القتيل العجوز ، إلا أنهم فضلوا الانتظار ، لمعرفة ما سوف تسفر عنه الأمور.

رغم كفاءة الضابط وتمرسه ، لم يجد حلاً سوى استكمال التحقيق فى مركز الشرطة ، بعيداً عن تجمع الناس وفضولهم ، هناك وعلى انفراد يستطيع بوسائله محاصرة الجندى والضغط عليه حتى يفصح عن الحقيقة.

لكن فى بعض الأحيان ، لا تأتى المفاجآت كالمصائب فُرادى ، تقدم عوض عدة خطوات بدافع الفضول ، عند رفع الجثة ، وهو على حالته من اللامبالاة والبلادة ، ليُلقى نظرة عابرة على صاحبها.

تسمر مكانه بمجرد أن وقع بصره على الوجه الميت ، وجحظت عيناه ، كأن وجهه على وشك أن يلفظهما ، وفمه يتسع فى ذهول يخطف بالرعب ملامحه ، مما لفت نظر وكيل النيابة والضابط معاً ، فوقف الشابان يرصدانه فى ترقب.

لم تستمر حالته تلك طويلاً ، إذ سرعان ما انهار بعدها ، فى حالة هستيرية ، يلطم خديه ، ويجأر بصراخ كالعويل تتداخل فيه كلمات مقطوعة ، غير مفهومة..، دخل بعدها فى نوبة عاتية من البكاء.

غابت الجثة داخل صندوق السيارة ، لكن وجه صاحبها العجوز ، بقسماته المنحوتة بالصبر والشقاء ، ظل يحمل بعينيه المفتوحتين نظرة صامتة ، حية.. برغم سكونها الأبدى ، تحمل وداعة الأجداد وطيبتهم ، وتُشع بألم حزين زاخر باللوم والعتاب.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

محمد العون

محمد حسن ابراهيم أحمد العون.. حاصل على بكالوريوس زراعة (جامعة عين شمس – 1986)، وعضو اتحاد الكتاب، وحاصل على جائزة الدولة التشجيعية فى الأدب لعام 2013 عن رواية مولانا، كما حصد جائزة اتحاد كتاب مصر فى الرواية لعام 2014 عن رواية سجن الطاووس.

Latest posts by محمد العون (see all)

محمد العون

محمد حسن ابراهيم أحمد العون.. حاصل على بكالوريوس زراعة (جامعة عين شمس – 1986)، وعضو اتحاد الكتاب، وحاصل على جائزة الدولة التشجيعية فى الأدب لعام 2013 عن رواية مولانا، كما حصد جائزة اتحاد كتاب مصر فى الرواية لعام 2014 عن رواية سجن الطاووس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.