اخترنا لكالثقافة والفنونمساحة للاختلاف

حكايات الدراويش (3-3)

وكانت أبعد خيمة من الداخل هي خيمة شيخ الطرق الذي يصدر الأوامر الدينية

[3]

 

وقد حكي المؤرخ أحمد شفيق باشا في كتابه ” مذكراتي في نصف قرن ” في الجزء الأول عن نوع من الحفلات الدينية اسمها حفلة الأشاير وحفلة الدوسة.

فيحكي عما يحدث في حفلة الأشاير عن شخص يسمي علي كاكا يرتدي جلباب أبيض قصير وقد حزم وسطه بحبل يتدلى منه ما يشبه الآلة الجنسية للرجل مكبرة , وفي يده سوط طويل وفرقلة , ومعه غلام فتجري بينهما مغازلة ماجنة بألفاظ سوقية مبتذلة فيزدحم الناس حوله نساء ورجال , وقد أسفرت النساء عن وجوههن, ويقول أن حفلة “علي كاكا” كانت تنصب أيضا في حفلات المولد النبوي والموالد الأخرى , مما يجعل تلك الحفلات بريئة من الدين .

كما يحكي عن حفلة الدوسة التي كانت تقام يوم 11 من ربيع الأول من كل عام ويقول أنه في هذا اليوم يجتمع أرباب الطرق الصوفية بميدان بابا الخلق ويسير موكبهم بشوارع المدينة ومعهم عدد من المشعوذين , منهم من يأكل الزجاج والثعابين , ومنهم من يضرب شدقه بدبوس ذي رأس غليظة بعنف وقسوة , بل كان بعضهم يضع حد السيف علي بطنه ثم ينام فوقه وبعدها يصعد علي جسده شيخه ويقف بقدميه .

ويقول أنه شاهد حالة انجذاب شديدة ,  تعتري بعض رجال تلك الطرق وهم في حالة ذكر وهم في حالة شبه غيبوبة , وكانوا يهدرون , ويتصاعد من أفواههم الرغاء كرغاء الإبل , وإذا اعترتهم تلك الحالة, فإن شيخهم يهدئ من روعهم بتلاوة القرآن .

ويقول إن ما أدهشه، أن بعض أرباب الطريقة الخندوشية من المغاربة، حين كانت تعتريهم تلك الحالة، فإنهم الواحد منهم يتناول شعلة من النار، فيدخلها في فمه أو تحت إبطه دون أن يبدو التأثر. وكان الواحد منهم يقذف الكرة من الحديد ثم يتلقاها برأسه، وتسيل منه الدماء دون أن يبالي بذلك.

ويقول أنه عندما يصل موكب الأشاير الي ساحة المولد أمام سرادق السيد البكري يقرأ رجال كل طريقة الفاتحة , وأمامهم شيخهم , ثم ينبطح الكثير منهم (رجال الطرق الصوفية) علي وجوههم في صف كبير , ثم يمر فوقهم شيخ السادة السعدية بحصانه , يقوده إثنان من أتباعه , فيدوس الحصان بحوافره علي ظهورهم وجنوبهم أذرعهم وأرجلهم , وهم يعتقدون أنه سينالهم من جراء ذلك خير كثير , وكان الناس يروحون عليهم بمراوح يدوية , أو يجلبون الهواء لهم بالتهوية بملابسهم أثناء انبطاحهم علي الأرض في الحر الشديد .

وقد أبطل الخديوي توفيق هذه الحفلات العنيفة والتي كانت خاصة بطريقة السادة السعدية المنتسبين الي سعد الدين الجبائي المدفون في احدي ضواحي دمشق [[1]].

 

أما آخر حفل للدراويش أقيمت فيه الدوسة فكان في فبراير عام 1880 حيث أصدر الخديوي توفيق أمرا بمنع إقامة مثل هذا الحفل مرة أخري.

والذي حدث في هذا العام وفي ميدان الحسين يستحق أن يحكي، ويحكيه لنا ألبرت فارمان القنصل الأمريكي في القاهرة في ذلك الوقت 1876- 1881.

كان علي جانب الميدان علي يسار المدخل صف طويل من الخيام وكانت أبعد خيمة من الداخل هي خيمة شيخ الطرق الذي يصدر الأوامر الدينية , ثم يلي ذلك خيمة الخديوي التي كان ينزل سمو خديوي توفيق باشا وصحبه . أما الثالثة فقد كانت خاصة بكبار الأوروبيين , أما بقية الخيام فكانت خاصة بالدراويش , أمام هذه الخيام طريق يبلغ اتساعه 30 قدما , وقد أعد لمرور المواكب .

وقد اصطف الجند أمام هذه الخيام لمنع ضغط الجمهور عليها. وهنالك ينزل المتطوعون المستشهدون في الساحة العمومية أمام الخيام ومعهم عدد مساو له من الدراويش حيث يكون مع كل رجل تابعه. وعندما يصل رئيس كل فرقة أمام خيمة شيخ الدراويش يقف على الفور، ثم ينبطح هو ومن معه من الرجال والبالغ عددهم أربعمائة رجل على الأرض في شكل زاوية قائمة مع خط سيرهم ورؤوسهم متجهة نحو السرادقات، وقد رقدوا ملاصقون لبعضهم علي قدر المستطاع. وكانوا يرتدون ملابسهم العادية وهي زي أفقر الطبقات، ولاشك أنهم كانوا يمثلون الطبقة الدنيا , وهي أشد الطبقات تعصبا , وكانوا يرتدون ملابس فضفاضة مثبته في الوسط بحزام أو حبل , عراة الأقدام والأيدي , وكان الخادم يظل جالسا عند رأس كل منهم أثناء مرور الخيل فوقهم . هذا ويأخذ التنظيم الابتدائي لهؤلاء الرجال حوالي نصف أو ثلاثة أرباع ساعة من وقت وصول الموكب حيث كانوا يرقدون علي وجوههم، وكانت الجند تصد الكتل البشرية المتزاحمة , وكل يريد مكانه في المقدمة .

وفي مواجهة ذلك كان يوجد عدد كبير من العربات الخاصة بحرم العائلات في مقدمة الصفوف , وورائهن عربات الأجانب والجالية الأجنبية الذين كانوا مضطرين إلي الوقوف علي مقاعد عرباتهم ليشاهدوا ما يدور هناك .

وفي وسط هؤلاء وخلفهم كنت تري جمهرة من الناس لا يستطيعون التقدم إلى الأمام.

وعند إعطاء الإشارة يبدأ الأتباع علي طول الخط الممتد، والآلاف المحتشدة من المؤمنين يصيحون، ألله، الله، لاإله الا الله، وهو يؤكدون ويمدون مقطع الكلمة الأخيرة حتى أنك لا تسمع شيئا سواها، وفي النهاية الأخرى كنا نشاهد رجلين قد تحركا جنبا الي جنب يمشيان علي الأجسام، وقد حملا الأعلام الخضراء المكللة برؤوس الرماح، وكان يتقدم الشيخ خلفهما مباشرة علي جواد مقودا برجلين حيث يسيرون مسرعين علي طول الخط بين صيحات الذكر وهي. الله , ألله , لا إله ألا الله , وتلك الصيحات التي تعالت بالتدريج , واختلطت بصيحات الجماهير حتى أصبحت تحاكي الزئير المنقطع النظير , ولقد كان الشيخ رجلا كبيرا مرتديا عمامة خضراء , وقد لف جسده بعباءة ذات لون بني فاتح , ربطت من وسطها بحزام .وكان مغمض العينين يتمايل علي جواده بحركة تتناسب مع سير ذلك الجواد بشكل يتفق مع حالة هؤلاء الذين يستغرقون في غيبوبة دينية , وقد كان يسير يسنده رجلان من الجانبين بأيديهما منعا له من السقوط , كان الراقدون علي الأرض لا يبدون حراكا يقوي من عزيمتهم الابتهال بذكر الله الذي كان يحميهم نبيه مظهرا قوته للكافرين . وعندما كان الشيخ يتقدم بجواده على طول الخط كانت تصحبه دفعة قوية من الزحام تسد الطريق خلفه، ولست أدري هل كان ذلك معدا بواسطة المنظمين أم لم يكن من المستطاع كبح جماح الناس.

ولقد كانت البقعة الممتدة أمام سرادقنا خالية تماما من الجمهور، وعندما اقترب الجواد كنت قد اتخذت مكانا على مقربة من التابعين الذين يجلسون عند رءوس الرجال. ولاحظت أن الخيل في الشرق تسير هادئة تحت أسرجتها , أما هذا الجواد فقد كان حسب عادته متمرنا علي الرَهْوَنة , مبَيْطَرا علي النمط الشرقي بحدوة مستديرة , تخطي السطح الأسفل لحافره , وقد مر مسرعا يخطر في مشيته ذات اليمين وذات اليسار , تنزلق أمامه تارة بين الرجلين المنبطحين علي الأرض , وتارة أخري تصطدم بأجسادهم وأطرافهم بكل عنف . وعندما كانت الجماهير تسد عليه الطريق من الخلف كان يسدها المنظمون , حيث ترتد الي الطريق المجاور لسرادقات الدراويش , وفي أقل من دقيقة لم تكن لتري شخصا واحدا راقدا علي الأرض , وكانت تخفي حقيقة الإصابات عن الناس . وقد اندفعت وسط الزحام مسرعا علي إثر مرور الجواد لأري لأول وهلة شابا مصابا قد قام بين الراقدين ضاحكا , كأنما كانت ألعوبة لا إصابة , وآخر كان محمولا في حالة إعياء ينزف الدم من أنفه وفمه .وهذا هو ما أمكن الحصول عليه من المعلومات وسط هذا الزحام وتلك الجلبة , كما شاهدت أن البعض قد قاموا دون أي إصابة عدا رجلين لم يقدر أحدهما علي إخفاء ما ألم به من ألم من جراء جرح أصابه , بينما فقد الآخر قواه وكأنما قد فقد معها الحياة , وظننته أصيب في عموده الفقري ولكن السرعة التي كان الجمهور يتحرك بها لم تتح لي الفرصة لمشاهدة حقيقة هذه الإصابات , والبعض كان يعتقد أن إنسانا لم يصب في كل هذه الحركات العنيفة , وأن النبي صلي الله عليه وسلم هو الذي حماهم وحفظهم عن طريق المعجزة , وكان هذا هو الاعتقاد السائد عند الأغلبية الساحقة من المسلمين .وقد نشرت احدي الصحف الأجنبية المحلية عام 1879 أي في العام الذي سبق إلغاء هذه العادة أن عدد المصابين كان حوالي ثلاثمائة وخمسين رجلا . فقد كانت الأجسام مرصوصة وملتصقة ببعض بطريقة تثير الدهشة وكان الجواد يتحرك فوقها بخطوات واسعة [[2]].

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] – احمد شفيق باشا. مذكراتي في نصف قرن. سلسلة تاريخ المصريين. 1994

[2] – ألبرت فارمان .مصر وكبف غدر بها . ترجمة عبد الفتاح عنايت . الزهراء للإعلام العربي 1995

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

حمدي البطران

حمدي عبد الله أحمد البطران.. كاتب روائي وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القصة بالقاهرة.. له العديد من الإسهامات الأدبية، والتي تنوعت بين القصة القصيرة والرواية والمقالات.. حصد عدد من الجوائز الثقافية، منها الجائزة الأولى لنادي القصة المصري في الرواية (1991) وجائزة إحسان عبد القدوس في الرواية (1994، 1996).. حاصل على بكالوريوس الهندسة وليسانس حقوق وليسانس علوم الشرطة.
حمدي البطران

Latest posts by حمدي البطران (see all)

حمدي البطران

حمدي عبد الله أحمد البطران.. كاتب روائي وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القصة بالقاهرة.. له العديد من الإسهامات الأدبية، والتي تنوعت بين القصة القصيرة والرواية والمقالات.. حصد عدد من الجوائز الثقافية، منها الجائزة الأولى لنادي القصة المصري في الرواية (1991) وجائزة إحسان عبد القدوس في الرواية (1994، 1996).. حاصل على بكالوريوس الهندسة وليسانس حقوق وليسانس علوم الشرطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.