اخترنا لكثقافة وفنونمساحة للاختلاف

حكايات الدراويش (2-3)

وفي نفس الوقت تنفجر دهشة غريبة بين بحارة ذهبتينا وتزاحموا حول هذا الجانب

[2]

كما تحكي السيدة لوسي دوف جوردون، عن الشيخ يوسف أبو الحجاج، وتقول أنه شيخ فاضل يتحلى بكثير من الحكمة والتفكير السليم , وقد تأثرت به لوسي , فكانت تشترك في موالد أبي الحجاج , وكانت تعجب بالأذكار , وكانت تستمع إلي الأناشيد التي تنشد , وتصاحب المتصوفين , فقد ذكرت أمامه أن الأطفال المسيحيين يجب أن يعمدوا حتي لا يذهبوا الي الجحيم عندما يموتون , وقال لها الشيخ  أن الأطفال حين يموتون يذهبون الي جواره فهو الذي خلقهم وإليه مرجعهم , وكان تري أن الشيخ يمتاز بالحكمة .

وقد لفت نظري في كتاب إميليا. ب. إداوردز، ” رحلة الألف ميل ” الذي ترجمه الي العربية المترجم القدير إبراهيم سلامة إبراهيم، ضمن مشروع الألف كتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وصفها للمشايخ الذين تصادفهم في أثناء رحلتها النهرية صاعدة الي أعلي البلاد. وقد كتبت تقول:

وقد نلنا السعادة بالتعرف الي العديد من المشايخ علي مدار رحلاتنا في الشرق، ولكنني لا اعلم أنهم فعلو شيئا يستحقون عليه التكريم، لقد شاهدنا شيخا عجوزا رهيبا اسمه الشيخ سليم. كان يجلس علي كومة من التراب قرب فرشوط لا يرتدي ملابس، ولا يستحم، ولا يحلق ذقنه، لقد مضي عليه نصف القرن الأخير دون أن يفعل شيئا، ولا حتى يرفع يده الي فمه لتناول الطعام.

وتقول إميليا. ب. إداوردز أنه بعد عبورنا قلوصنا, وصلنا الي جزء منبسط في النهر حيث تشرفنا عنده بزيارة شيخ مسلم له قدسية غريبة, يدعي ” الشيخ قطن المبروك ” وهو شاب في الثلاثين , يتمتع بصحة جيدة , ويبدو عليه انه يتغذى جيدا , يظهر لأول مره وقد جمع ملابسه علي رأسه في شكل عمامة ضخمة , وكان يسبح في الماء بحيث لم يظهر منه إلا ذقنه , وقدم لنا نفسه علي سطح السفينة, ولقي ترحيبا حماسيا , واحتضنه الريس حسن وقبله المرشد , وحضر البحارة واحدا واحدا وهم يقدمون إليه كميات من التبغ وبعض القروش, التي كان يتقبلها كما يتقبل بابا الفاتيكان التبرعات الخاصة بالقديس بطرس . وكان الجميع يقدمون إليه عطاياهم، وهو يبتسم مثل عروس البحر المستأنسة، وبعد ذلك أخذ يلمس دفة المركب والحبال وأطراف العوارض الأفقية التي تثبت الشراع، وأخيرا أبدي نوعا من الدعوات الوداعية وتمتم بالتعاويذ , ثم ارتمي في النهر مرة أخري وسبح عائدا الي الذهبية الأخرى ليؤدي لها نفس العرض علي سطحها .

وتمضي إميليا. ب. إداوردز في رحلتها وقبل وصولها الي المنيا، وعلى المدى البعيد أمامها حيث ينحني النهر وتظهر الصخور المرتفعة من مسافة بعيدة تبرز بقعة صغيرة هي، دير البكرة، (اعتقد انه دير جبل الطير التابع لمركز سمالوط بالمنيا) وهو يقع على ربوة. وعندما اقتربت من الدير، ظهر رأس بني اللون وهو يرتفع ويهبط في الماء على بعد حوالي مائة ياردة أمامها، ثم اندفع شخص واحد، وصار اثنان فثلاثة، من صخرة شديدة الانحدار أسفل حوائط الدير وغطسوا في النهر، وارتفعت الأصوات الحادة التي ترنم في شكل جوقة سمعنا صوتها بالرغم من الرياح. وفي دقائق معدودة أحاط بالقارب سرب من الرهبان الذين يطلبون العطاء وهم يصيحون بكل قوتهم ” أنا كريستيان يا خواجة! أنا كريستيان يا خواجة” أي أنا مسيحي أيها الرحالة،

 

وتقول إميليا. ب. إداوردز ولما كان هؤلاء رهبانا من الأقباط وليسوا مشايخ من المسلمين فقد سارع البحاره، وهم نصف غاضبين ونصف جادين في إبعادهم عنا بالعصي الطويلة, التي يغرزونها في النهر لتثبيت السفينة , وسمح واحد منهم فقط كان يرتجف وهو ملفوف في بطانية بان يصعد الي سطح الذهبية , كان رجلا مليح الشكل يبلغ من العمر حوالي الأربعين عاما , له عينان بديعتان ورأس مستدير , وجسمه في لون خشب الزان النحاسي , ووجهه مستدير , ووجهه يعبر عن الجهل والخجل والانتباه الشديد , بحيث يجعل قلب الإنسان يشعر بالألم .

وتقول إميليا. ب. إداوردز إن هذا رجل قبطي سليل الشجرة المصرية الحقيقية، إنه واحد من هؤلاء الذين بدل أجدادهم عبادة الآلهة القديمة، وحولوها الي المسيحية، تحت حكم الإمبراطور نيئودوسيوس, منذ حوالي ألف وخمسمائة عام مضت , والمفروض ان يكون دمهم مصريا خالصا لم يختلط بأي دماء أخري بخلاف المسلمين, الذي اختلطت دمائهم أكثر من غيرهم من المصريين .

وتقول إميليا. ب. إداوردز: “. وعندما تذكرت هذه الأمور، كان من المستحيل أن أنظر إليه دون أن أحس بالاهتمام العميق , قد يكون ذلك خيال محض , إلا أنني أري فيه طرازا مختلفا عن ذلك الذي ينتمي إليه العرب , فهناك شييء بسيط يوقظ المناظر المحفورة في مقبرة تي .

وبينما كانت إميليا. ب. إداوردز تفكر في نسبه القبطي، كانت أسنان المسكين تصطك بشكل يثير الشفقة , لذلك ” أعطيناه شلنا أو اثنين لأجل خاطر كل ما يمثله من تاريخ العالم “.

وبعد أن اخذ الشلنين مع زجاجة فارغة، وهبتها له السيدة إميليا,سبح مبتعدا في رضا وهو يصيح مرات عديدة قائلا :

  • كتر خيركم يا ستات، كتر خيركم كتير.

وعندما مرت الذهبية في رحلتها الي أعالي النيل بمدينة فرشوط تكتب إميليا. ب. إداوردز  تصف ضفتي النيل الغنيتين بثروة غير عادية من الخضرة , ظهر هذا المخلوق هادئا ومستأنسا تماما, وهو يجلس القرفصاء , متخذا ذلك الوضع الذي يعبر عن الحزن والإحساس بالبرد , وهناك ستة أو ثمانية من الأعراب كان أحدهم قد نزل عن جمله , وتجمعوا حوله وأخذوا يحملقون فيه .

وتستمر إميليا. ب. إداوردز في الوصف وتقول:

  • وفي نفس الوقت تنفجر دهشة غريبة بين بحارة ذهبتينا، وتزاحموا حول هذا الجانب، ويتصايحون، ويستخدمون الحركات والإشارات باليدين للتعبير عن دهشتهم، ويرسل القبطان تحياته، ويلوح عامل الدفة بيده، وقد اتجهت عيون الجميع نحو الشاطئ. ويصيح المترجم ” الشيخ سليم. انظري. هذا هو الشيخ سليم ” [[1]] وتقول إميليا. ب. إداوردز واكتشفنا انه لم يكن قردا ولكنه كان رجلا , ليس فقط رجلا ولكنه شيخ مبروك , بفيض بالقداسة , وأيضا بالقذارة , أبيض الرأس , وأبيض اللحية , ذابل الجسم , منحنيا , متكورا , إنه الشيخ سليم الذائع الصيت , كان ذلك العريان الذي لا يعرف الاستحمام, يجلس في نفس الموقع يوميا في حر الصيف وبرد الشتاء, علي مدي السنوات الخمسين الخيرة , ولا يزود نفسه بالغذاء او الماء , ولا حتي يرفع يده إلي فمه , معتمدا علي الإحسان ليس فقط لغذائه , بل أيضا لمناولته الغذاء , وليس من المستحسن أن ننظر إليه حتي مع هذا الضوء الخافت ومن هذه المسافة , ولكن البحارة يظنونه رائع الجمال, ويطلبون بركاته بصوت مرتفع أثناء مرور الذهبية بالقرب منه . كان البحارة يتصايحون ” معذرة يا أبانا، إننا لم نتعداك بخاطرنا ” ثم يضيفون ” كم نود أم نقبل يديك “، ولكن الريح تهب والمركب تسير، وليس بمقدور إميليا. ب. إداوردز أن تتوقف، والشيخ سليم لا يرفع يده، ولا يبدي أية علامة تدل على أنه سمع أصواتهم، وبعد دقائق قليلة ومع حلول الغسق، تركت الذهبية كوم التراب الذي يجلس عليه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] – ربما كان نفس الرجل الذي تحدثت عنه لوسي دوف جوردون . خصوصوا وأن الفارق الزمني بين الرحلتين ضئيل.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

حمدي البطران

حمدي عبد الله أحمد البطران.. كاتب روائي وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القصة بالقاهرة.. له العديد من الإسهامات الأدبية، والتي تنوعت بين القصة القصيرة والرواية والمقالات.. حصد عدد من الجوائز الثقافية، منها الجائزة الأولى لنادي القصة المصري في الرواية (1991) وجائزة إحسان عبد القدوس في الرواية (1994، 1996).. حاصل على بكالوريوس الهندسة وليسانس حقوق وليسانس علوم الشرطة.
حمدي البطران

Latest posts by حمدي البطران (see all)

حمدي البطران

حمدي عبد الله أحمد البطران.. كاتب روائي وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القصة بالقاهرة.. له العديد من الإسهامات الأدبية، والتي تنوعت بين القصة القصيرة والرواية والمقالات.. حصد عدد من الجوائز الثقافية، منها الجائزة الأولى لنادي القصة المصري في الرواية (1991) وجائزة إحسان عبد القدوس في الرواية (1994، 1996).. حاصل على بكالوريوس الهندسة وليسانس حقوق وليسانس علوم الشرطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.