ثقافة وفنونمساحة للاختلاف

قلق الموت وأشياء أخرى في «لمح البصر» للكاتب سيد الوكيل

مراسم الحداد رصدت تغير الطبيعة الانسانية في مطلع القرن الجديد

الدكتور محمد السمادوني

روائي مصري، وعضو اتحاد كتاب مصر، صدر له مجموعة قصصية وروايتين، هما: «تجربة خارج الجسد - وحارة الصوفى»، بالإضافة إلى كتاب بعنوان «احلام سياسية».. حاصل على الدكتوراه في القانون

Latest posts by الدكتور محمد السمادوني (see all)

ما أشبه الليلة بالبارحة، ثورة الاتصالات التى نعيشها وتحول العالم إلى قرية صغيرة والأفراد إلى عيون جاحظة تنظر إلى هواتفها المحمولة طوال الوقت.

هل تقابل هذه الحالة التى نعيشها فى مطلع القرن الحادى والعشرين مثيلتها التى كان عليها اجدادنا فى مطلع القرن العشرين.

إن الطبيعة الإنسانية هى الشغل الشاغل للقاص او الروائى كما تقول فرجينيا وولف: «يحاول القاص تفهم طبيعة الانسان ليقدمها الى القارئ فى انتاجه السردى».

قالت فرجينيا وولف «ان الطبيعة الانسانية قد تغيرت»، وكان هذا القول فى ديسمبر 1910.

لقد شهد مطلع القرن العشرين ثورة فى النشاط الفكرى وفى الفن والفلسفة، كما شهدت هذه الفترة الحرب العالمية الاولى التى كان ضحاياها بالملايين من البشر، كما شهدت أزمات مالية وانسانية عارمة.

فتح سيد الوكيل في «لمح البصر» الصندوق الأسود، ماذا رأى فى هذا الصندوق؟

يقول الناقد الأمريكى جوناثان كوللر فى كتابه نظرية الأدب: إننا نتعقل الأحداث من خلال قصص ممكنة، ويذهب فلاسفة التاريخ إلى ان التفسير التاريخى لا يتبع منطق السببية العلمية وإنما منطق القصة، فلكى تفهم الثورة الفرنسية مثلا عليك فهم السرد الذى يظهر الكيفية التى افضى بها حدث إلى غيره، فالأبنية السردية منتشرة فى كل مكان.

وينبغى أن يلاحظ أن من يدرسون السرد القصصى دراسة اجتماعية لا يريدون ان يتبينوا فيه انعكاسات المجتمع فحسب، بل يريدون ان يتعرفوا على بيئة الأديب وما فيها من ظواهر اجتماعية ومدى تأثيرها فى أدبه.

ومن ناحية الدراسة النفسية فالفن، كما يقول فرويد «شبيه بالحلم»، ولكن ليس الحلم الناشئ عن عقد جنسية وإنما الحلم الناشئ، كما قال يونج «عن رواسب نفسية للتجارب الانسانية البدائية، رواسب تختزن طفولة البشرية وكل ما ارتبط بها من شعائر وأساطير»، وكأن الفنان وسيط شفاف لوجودنا البشرى، بما يحمل بين اطوائه من اللاشعور الجمعى، وبذلك يرجع يونج بالتأثير للفن والفنانين فى اعمالهم لا إلى سيكلوجية فردية تتصل بطفولتهم، وإنما إلى سيكلوجية جمعية تتصل بالعهود الاولى فى الحياة الانسانية، فهناك ربط وثيق بين الفنان القاص والوجود الانسانى ربطا محكما، ضربا يتجلى فيه نوعا من الصوفية حيث يمثل الفنان الانسان فى ميراثه البشرى من ذاكرة موروثة وما يتصل بها من اساطير وشعائر واهازيج بدائية.

 

لا نريد محاكمة القاص نفسيا، من خلال كتاباته، ولكن محاكمة آثاره الفنية سيكولوجيا، بالضبط مثلما نفعل فى الطعن على الاحكام القضائية امام محكمة النقض، فإننا نحاكم الحكم المطعون عليه ولا نحاكم القاضى الذى كتبه او نتطرق إلى حياته الشخصية.

في «لمح البصر» وضعنا سيد الوكيل، أمام نجيب محفوظ، ابتداء من الصفحة الاولى للكتاب، بالاهداء الذى كتبه له، فتداعت امامنا اصداء السيرة الذاتية واللص والكلاب، وكنت أُفضل ألا يفعل، كانت رائحة الموت حاضرة بقوة فى هذا السرد الرائع، فنقل لنا الكاتب قلقه الفلسفى مما يحدث حوله، ولم لا، وكل المؤشرات تفيد بأن الحضارة الصناعية، بكل ما تمثله اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا تلفظ انفاسها الاخيرة، وضع ينهار ووضع جديد يتشكل، الحضارة الصناعية عقيدة وايديولوجية وفكر ونمط حياه تنهار، وتتشكل حضارة قادمة، المستقبل لم يعد تراكما كميا للحاضر، دخلنا حضارة ما بعد الصناعة.

القلق مشروع مما يحدث حولنا، ولا يستطيع الكاتب التعبير عن ذلك مباشرة ولكن من خلال سرده الفنى وتداعياته واطلاق تيار الشعور بسرد الحلم فى صورة فنية جمالية، والجمال الذى نستشعره فى سرد الوكيل ليس مثل الجمال الذى نراه فى الطبيعة، فالفرق بين النوعين من الجمال، ان جمال الطبيعة جمال موضوعى، وهو لا يعد جمالًا فى رأى فلاسفة الجمال، إنما الذى يعد جمالًا هو ما يضفيه السرد على موضوعه، بحيث يثير فينا عواطف ومشاعر مختلفة، وقد تكون حقيقة من حقائق الطبيعة قبيحة، ولكنها تتحول مع فنية السرد إلى شئ جميل..

«مراسم حداد.. قدت سيارة صديقى إلى طريق المقابر،  فيما كانت زوجته تجلس على المقعد المجاور. قلت لأواسيها أن إكرام الميت دفنه. تبادلنا نظرات مليئة بالفقد والحب، بدت فى حزنها وثوبها الأسود اكثر فتنة. قلت لها: طالما انتظرت ان نكون وحدنا. ورحنا نتبادل قبلات شهوانية لها تهدج وزفيف. غير مبالين برأس زوجها الموضوع بيننا. كان ملفوفا بجريدة تنشع دما، وتشيع رائحة كئيبة. من بعيد لمحت دورية الشرطة تعترض الطريق، رحت افتش عن رخصة القيادة بلا جدوى».

هذه قصة تحكى الحب فى ظلال الموت، الحياة لابد ان تستمر، الجمال فى مراسم دفن سلطة الزوج، موته أو قتله، ستبدأ حياة جديدة مع رجل آخر، لم كنت مستبدًا يا رجل واستعبدتها، انت تتركها الآن مرغما، وفاء الصديق جعله يصطحب الأرملة التى لم تعد زوجة كما قالت القصة، يصطحب ارملة صديقه فى آخر مشوار له على ظهر الأرض ليبدأ تحت الأرض حياة جديدة بعيدة عن الرياء والخيانة.

بالمقاييس الفنية سرد جمالى رائع ولكن نحن فى عصر الفقيه، ومقاييس ومكاييل وموازين الفقيه فى حالة زحام حوله لأن الناس يعرضون كل أمورهم الصغيرة والكبيرة عليه.

مراسم الحداد رصدت تغير الطبيعة الانسانية فى مطلع القرن الجديد، و«لمح البصر» وضعتنا وجها لوجه مع قلق الموت، اخذنا «الوكيل» فى رحلة قصيرة ممتعة إلى احلامه ومدنه القديمة حيث يتقاسم الموتى معك الحياة.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
اظهر المزيد

الدكتور محمد السمادوني

روائي مصري، وعضو اتحاد كتاب مصر، صدر له مجموعة قصصية وروايتين، هما: «تجربة خارج الجسد - وحارة الصوفى»، بالإضافة إلى كتاب بعنوان «احلام سياسية».. حاصل على الدكتوراه في القانون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.