ثقافة وفنون

«غمزتين» دينا لطفي والانتصار للمشاعر الإنسانية

الديوان انتصر بما يزخم به من جرأة لا نجدها إلا نادرا في بوح وكتابات الأنثى العربية

«الشعر مش بس شعر لو كان مقفى وفصيح الشعر لو هز قلبي وقلبك شعر بصحيح».

لم تغادرني هذه العبارة الأثيرة التي أطلقها الشاعر الراحل «نجيب سرور» منذ أن دلفت في ديوان «غمزتين» للشاعرة «دينا لطفي» وغصت في أعماق دروبه ودهاليزه..

فكل قصائده تهز القلب وتلج فيه بشاعرية فياضة، ومشاعر أنثى جريئة في طرح مشاعرها العذبة الرقراقة التي تنساب على الورق بعفوية تقترب من الفطرة الممزوجة بالصنعة ، فخرجت قصائد الديوان تهز القلب فصدقت عليها عبارة سرور الدهشة “شعر بصحيح”.

لما لا .. والقصائد تنتصر للقلب والحب والمشاعر الإنسانية الفياضة، ولاعجب أن نجد مفرد القلب بمشتقاتها تسيطر على الديوان فقد غزت الديوان وتكررت وصلت إلى (105) ، تلاها مفرد حب وحبيبي (100) ، ثم مفردة (حضن ) وردت 30 مرة، تلاها مفردة “روح ” وردت (25) مرة، ومفردة “موت” (21) مرة، تلاها مفردتا  “مشاعر وإحساس” وردتا (20) مرة، ثم “شوق” (16) مرة و”حلم” (13) مرة، و”جنون” (10) مرات..

هذه المفردات التي تسيطر على القصيدة، وترسم لنا الحالة الشعورية والشعرية للقصيدة، فتنساب هذه المشاعر صانعة الصورة التي تهز القلب بصحيح بما تحمله من دفقة مشاعر إنسانية وصادقة، تنهل من البساطة الواعية في صناعة القصيدة المتخمة بالصورة الدالة.

وإن كانت الكتابة عند الشاعرة نوع من التحرر من الذات كما تقول في الإهداء “إليه.. أهدي غنوتي.. علي أتحرر يوما من حبه”.

محاولة الخلاص هذه هي التي سكبت هذه المشاعر بكل ما تحمله من صور معبرة، وجماليات تسكن القصيدة بفطرية وجرأة محببة لا خروج فيها .. ولكنها مشاعر إنسانية صادقة ومتدفقة أرادت الشاعرة ألا تحبسها وأطلقت لها عنان القصيدة تسود بها بياض الورق في صور آسرة وفيض من البوح الشفيف الماهر يغلب عليه الغنائية بما يحويه الشطر الشعري من موسيقا .

تقول في قصيدة “وحشتيني ” عن الأم : ” وحشتيني وغصبن عني عني عايزاكي / بشوفك في السما دايما ../ وسط ملايكة شيلاكي ” .

وتقول في قصيدة ” هقص كسوفي ” : ” ما تيجي نقص في كسوفنا/ وننطقها ونعلنها/تعالى نضم أسماينا / في كشف الحب والأحباب/ تعالى نشوه الحيره /نتربس باب ونفتح باب ” .

وتقول في قصيدة ” أجمل نظرة” : ” مشبوكة في روحك وبضمك/ وكأنك طفل في حضن أمك/ فلاقني مجر نسماية / مشبوكة من الطرف في كمك ” .

وتقول في قصيدة ” صباح الخير ” لأول مرة بسمع صوت /أتوه وأسرح في نبراته/لأول مرة يتغير / نظام قلبي ودقاته ” .

نماذج من دفقات وصور زاخرة في الديوان لتلك الغنائية التي تتسرب في عمق القصيدة فتخرج الأسطر مموسقة ومغناة بكل ما تحمله من بساطة وإحساس وجداني يشكلا الصورة التي تتشظى بالمشاعر الفياضة وتتماس والقلب .

كما تقول في هذه الصورة المعبرة التي تستعير من المقدس ولا تناقضه :” وأعيش وياك كما المحرم/ أدور حواليك وألف وأطوف/وأزرع قلبي بين كفك/ وأنسى معاك ليالي الخوف ” .

هذا الصورة المجسمة بكل بساطاتها وعمقها تجسد لنا عمق هذه المشاعر الفياضة والمتدفقة.

ملمح آخر في الديوان وهو ” الموت ” وكما ذكرنا تتكرر هذه المفردة بمشتاقها ( 21) مرة، وهي تؤكد العشق وعمق المشاعر فتأتي الصور في ثنايا القصائد معبرة عن هذا الحب والمشاعر الإنسانية العميقة والمتدفقة بكل ما فيها من غيرة وحب وعطاء : ” وأطمن وأنا في حضنك / وأموت لو حد جه جنبك ” ، ” وأموت من الضحكة ” ، ” بحبك موت وعهد الله ” ، “ماهيش فارقة /عيونك سمرأو زرقا/ بحبك موت ” ، ” بجد هموت وموت وأعرف /عيونه بس فيهم إيه ” …. الخ .

ومن هنا يتأكد لنا إن استخدام مفردة الموت ، بمعنى الحياة مع المحبوت والتمسك به ،والبعد عنه هو الموت الحقيقي .

الشاعرة دينا لطفي

إن الديوان بكل ما يحتويه من قصائد يعبر عن ذات الأنثى التي تعبر عن مشاعرها بكل تلقائية وصدق بعيدا عن الحجب الزائفة والقابضة  على المشاعر لتحاصرها ، فجاءت قصائد الديوان متدفقة ، وإن كانت بعض القصائد على لسان رجل لكنها لا تخرج كثيرا عن الخط العام الذي انتهجته الشاعرة في تضفيرة القصيدة .. وكان يمكنها بقليل من التغيير أن تكون على لسان الأنثى ليأخذ الديوان سمة الأنثى وبوحها ووهج حرفها .

وما جاء في الديوان من رباعيات ينهل من رباعيات الراحل صلاح جاهين، ومن جوه تنطلق، فالشاعرة متأثرة كثيرا بأسلوب صلاح جاهين، قريبة جدا من مفرداته ، كما تقول في إحداها :

مع إننا في الأصل واحد من طينة واحدة مخلوقين

وموحدين باللي خلقنا مولانا رب العالمين

بنلاقي ناس في وسطنا شبهنا بس مش زينا

مخاليق غريبة عننا مالهاش مله ولا حتى دين

أما قبل : لقد انتصرت الشاعرة دينا لطفى عبر ديوانها “غمزتين” الصادر عن دار شعلة الإبداع 2018م  للأنثى بكل ما يحمله الديوان من مشاعر إنسانية فياضة، وما يزخم به من جرأة لا نجدها إلا نادرا في بوح وكتابات الأنثى العربية ، هذه الجرأة التي تبوح بالمشاعر دون خروج .

وكما تقول عن ذاتها :” أنا دينا ودنيا غريبة عليك جديدة /ماجاتش في بالك/ أنا حالة حب وحالة عشق/ جديدة عليك /أنا كل حروفك كل قصيدة / كاتبها خيالك ” .

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

محمود الطهطاوي

محمود رمضان الطهطاوي.. كاتب وروائي مصري وعضو اتحاد كتاب مصر

محمود الطهطاوي

محمود رمضان الطهطاوي.. كاتب وروائي مصري وعضو اتحاد كتاب مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.