الثقافة والفنون

رحلة البندقية

مقتطف من رواية «حب افتراضي» الصادرة عن دار النخبة للنشر والتوزيع بمصر

إنها مدينة البندقية يا قوم، مدينة الكاتب والمستكشف «باولو بولو».

كنّا قد استأجرنا غرفة فندق بساحة سان ماركو أو كما يناديها الفنيسيين هنا بـ «بيازا سان ماركو Piazza st Marco», وصلنا مع المساء مشيا من محطة القطار متعبين قليلا، لكن رغم ذلك فضّلنا الخروج فورا للتمتع بسحر المدينة التي سمعنا عن سحرها الكثير..

  • إننا في فنيسيا يا حبيبتي وكل العالم يحسُدنا..

كنتُ كالطير الذي حُبس طويلا فاخبروه هنا أن الطيران ليس محرّما!

خطر على بالي حينها طيف خالتي «الحَملَة» بحيّنا «النيلو» وذكريات ركوب امواجها الشتوية التي تمر أمام باب بيتنا العتيق لتغرق الشارع و تزيد فقرنا فقرا!

  • أجل حبيبي كأننا نحلم..

دخلنا من الشارع الرئيسي ليواجهنا احساسا مفعما بالبهجة، بفضل تلك المساحة الهائلة للبلاّزا التي تُواجه فيها – وأنت تحلق بنظرك – كمّاً هائلا من المباني الأسطورية الأكثر أهمية في ايطاليا، سان ماركو المكان الأكثر استحضارا لجنون وسحر  الأمكنة.

كانت حبيبتي وزوجتي ليلى كالطفلة وسط السُيّاح وسرب الحمام من حولنا لحظة هبوطه على أرضية مليئة بقصص العشق التي تُحلّيها الموسيقى المنبعثة من المقاهي المتراصّة الشهيرة.

كانت الرطوبة عالية جدا و رائحة البحر قويّة..

طلبت مني ركوب الجندل للتجول، كانت كضبية حالمة قد سكنها جنون المكان، فاتجهنا فورا صوب جسر التنهدات، لم أكن أقدر أن أرفض لها لحظة سعادة، رحنا نساوم الأثمان الباهضة، نجحت في تخفيض الثمن قليلا.

كان «اوسولو ميو» صاحب الجندل ذا الصوت البندقي العذب رفقة كَمنجتهِ السحرية يُتحفنا برائعة المُغني «كلود بارزوتي» الايطالي «احبّيني Aime-moi»

جاءني فجأة صوت من بعيد يخاطبني عن روعة ما أعيشه اللحظة..

  • ماذا تريد أكثر من هذا يا عمر! انسى زمن الغُبن و عش اللحظة!.

كانت حبيبتي غائبة عن الوعي بسحرها الملائكي، بقدرتها الخارقة على الاستمتاع بكل لحظة جميلة عكس مخيلتي أنا التي تستحضرلي كل شيء من الماضي حتى في مدينة العشاق هاته.

كانت جولة خيالية تُفقدك نفسك وسط سكون العالم أمام صوت الكمنجة الرائع.

كنّا بين مئات الشوارع العائمة التي تُلملمها جسور الحب، كان ينقصنا كاظم ورائعته «زيديني عشقا» ليكتمل العشق العربي على الأرض العائمة.

ترجّلنا بعدها عائدين ساحة «سيدي ماركو» شفيع أمّة البندقية.

كان صوت المعدة قد بدأ يعلو و يصرخ..

  • ألستما جائعين ؟!

أجبته وأنا ألتفت يمنة ويسره..

  • مهلا انتظري لا داعي لكل هذه القرقرة والاحراج! تمهلي إنّي أبحث عن المكان المناسب!.

كانت هناك جلسات خارجية جميلة للمطاعم فاخترنا اروعها، جلسنا وطلبنا قائمة الأكلات، تركت حبيبتي تختار فهي ذوّاقة عالمية.

اختارت معكرونة بالحبّار، تخيّل وجبة بهذا السحر وسط حفلٍ موسيقي خيالي وعجيب!

حتما سوف تُمسح ذاكرتُك من كل الأطعمة البائسة القديمة التي تذوقتها، كان سحر الأضواء من على قصر الدوق يفجّر عقلي!

بعد الطبق الايطالي اللذيذ برفقة طائر النورس العائد للتو من جزيرة رشقون التموشنتية، جاء وقت تذوق قهوة البن…دقية.

كانت حبيبتي لا تحبّ القهوة كثيرا إلا نادرا فطلبتُ لها شايَ أعشابٍ، أمّا أنا المُدمن على القهوة فمع أول رشفة لامست سحاب سماء بلاّزا ماركو وربما أعلى من ذلك، فهنا القهوة بمثابة سيجارة سحاب تربط طريق البندقية بطريق مدينة تندوف المُمِل!

اكملنا بعدها سهرتنا في جو شاعري اعانق و اراقص فيه حبيبتي بفاتورة أقل ما يقال عنها أنها خيالية.

 

_________________________________

مقتطف من روايتي «حب افتراضي» الصادرة عن دار النخبة للنشر والتوزيع بمصر

الرواية صدرت أكتوبر ٢٠١٨ عن دار النخبة للنشر والتوزيع بمصر، وشاركت في جل المعارض الدولية العربية على سبيل الذكر: معرض الجزائر، معرض القاهرة، معرض الاسكندرية، معرض بغداد، معرض أبو ظبي للكتاب، الدار البيضاء بالمغرب…إلخ.

 

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

حبيب درويش

روائي جزائري مقيم بفرنسا، صدرت له روايتين باللغة العربية، هما: «حب افتراضي» و«رحلة مع الجن» عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة.
حبيب درويش

Latest posts by حبيب درويش (see all)

حبيب درويش

روائي جزائري مقيم بفرنسا، صدرت له روايتين باللغة العربية، هما: «حب افتراضي» و«رحلة مع الجن» عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.