مساحة للاختلاف

البذرة التي تنمو داخلنا

التراث الاسلامي غني ومتعدد الجوانب ويمكن النظر إليه من أكثر من زاوية

قد يظن البعض أن هزيمة داعش في العراق وسوريا قد أنهت تماما هذا الوباء ولم يعد في الامكان ظهوره من جديد.

داعش هي التعبير العملي عن فكر يمثل عقيدة مقدسة ، داعش وأمثالها من المكونات التنظيمية التي تحمل هذا الفكر العقيدي المقدس يؤمنون إيمانا راسخا بأنهم ينفذون إرادة الله، ذلك الايمان الذي تغذيه نظرة أحادية للتراث الاسلامي منتشرة في جميع المذاهب الاسلامية بما فيها تلك المذاهب التي تدعي الوسطية والاعتدال.

التراث الاسلامي غني ومتعدد الجوانب، ويمكن النظر إليه من أكثر من زاوية، ففي الامكان الانطلاق مما يزخر به من فلسفة إنسانية عميقة عند ابن سينا والفارابي وابن خلدون، أو مما فيه من حركة نقدية غاية في العلمية والجدية والنزاهة والموضوعية كما فعل ابن تيمية علي سبيل المثال لا الحصر في نقده لابن سينا.

التراث الاغريقي مثل التراث الاسلامي متعدد الجوانب ولم يكن الغرب الأوربي يدرك ما فيه من غني بسبب ما حط عليهم من إظلام الحكم الكنسي حتي نقله إليهم مثقفو ومفكرو الحضارة الاسلامية عبر ترجماتهم العظيمة له، وكان من المحتمل أن يختار الأوربيون زاوية في هذا التراث لينطلقوا منها فتزيد حياتهم إظلاما كما فعلنا نحن مع تراثنا حين انطلقنا من أكثر زواياه عبثية وخزعبلاتية وخرافية وغير إنسانية وبعيدة تماما عن كل عقل، لكن الأوربيين فعلوا مع تراثهم عكس ما فعلنا نحن، اختاروا أكثر زوايا تراثهم عقلانية وعلمية وإنسانية فوصلوا إلي ما وصلوا إليه اليوم، كان هناك أرشميدس وسقراط وأرسطو ويوربيدس وأسيخولس وثيسبس وغيرهم كثيرون.

لم يكتف الأوربيون بالانطلاق من أكثر زوايا تراثهم توهجا علميا ونقديا وفلسفيا وفنيا، وإنما أضافوا لما انطلقوا منه كل الأجزاء المتوهجة في تراث الحضارة الاسلامية ومازالوا حتي الآن يدرسون في جامعاتهم العلمية ابن خلدون وابن طفيل وابن سينا وغيرهم.

الآن يفكر الأوربيون بالطريقة الآتية:

(لقد انطلقنا من زاوية معينة في تراثنا وتراث الحضارات الأخري فوصلنا إلي ما حققناه من تقدم ورقي تقني وإنساني وحضاري، فلماذا لا نختار زاوية أخري أكثر توهجا لنري ما يمكن أن نصل إليه في سبيل التقدم العلمي والحضاري والانساني…..).

هذا هو لسان حال أوروبا اليوم، بينما نحن انطلقنا من أكثر زوايا تراثنا إظلاما وتجمدنا وتحجرنا، ورغم كل ما نتج عن ذلك الاختيار من مآسي ومساخر ومظالم وتكفير ودماء وذبح وحرق وكراهية وخوف وتفاهة وتهافت وفتاوي مضحكة أحيانا ومبكية أحيانا أخري فضلا عن مختلف أنواع الضياع الانساني فإننا لم نمتنع فقط عن التفكير في البحث عن أي زاوية أخري في هذا التراث بل إن رجال الدين جميعهم بلا استثناء قدسوا هذا الاختيار المريع وحولوه إلي دين يدين به المسلمون كافة ويؤمنون بأن ما في هذا الاختيار من مساخر وفظائع هو مشيئة إلهية لا يجوز حتي إثارة الأسئلة حولها.

بالطبع لعبت الظروف السياسية التي كان وما زال رجال الدين خداما لمشيئتها لعبت الدور الأكبر في هذا الاختيار الذي من جهة أخري يعلي من شأن رجال الدين ويضعهم في مصاف الأنبياء ويحافظ علي مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بصفتهم شركاء الطبقة السياسية في صنع وتأصيل هذه المصيبة الفكرية والدينية التي أدت في النهاية إلي خروجنا من التاريخ فضلا عن اعتبارنا البعبع المرعب الذي يهدد الحضارة الانسانية.

داعش إذن هي الترجمة العملية لهذا الاختيار ، داعش هي المظهر الايماني العملي لمنطلقاتنا التراثية التي نقدسها جميعنا ونعتبرها ظلما أنها هي الدين وأنها هي مشيئة الله فينا وأوامره التي لا يجوز مخالفتها.

وهكذا يمكن القول بكل أسي إن داعش موجودة في الضمير الاسلامي عامة، وإذا كان هذا التنظيم الرهيب قد تلقي هزيمة ساحقة في العراق وسوريا إلا أنه سيظهر من جديد تحت إسم آخر وفي صورة أكثر وحشية.

تحت جلد هؤلاء الذين جمدوا حياتنا وخدعونا باختياراتهم ونصبوا أنفسهم وسطاء بيننا وبين الله تتكون مصيبة أخري أكبر من داعش ومن القاعدة ومن الاخوان ، وإن لم ننتبه ونخرج خروج الفاتحين من أسر هذا الاختيار التراثي العبثي الغير إنساني والمنافي لكل عقل فإن الغول القادم سيأكل ما بقي فينا من أمل.

 

نقلًا عن موقع «الحوار المتمدن»

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

محمد أبو قمر

كاتب وروائي مصري
محمد أبو قمر

Latest posts by محمد أبو قمر (see all)

محمد أبو قمر

كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.