عرب وعالممساحة للاختلاف

حصة المسلمين من مآسي البشرية

الوقت قد حان لنا أن ننفض الغبار عن تاريخنا وننظر إليه مباشرة دون تلك الهالة الأسطورية

رشيد الحاج عبد إغباريه

كاتب ومهندس برمجيات فلسطيني

Latest posts by رشيد الحاج عبد إغباريه (see all)

استطاع ذلك العنوان إستفزاز الكثير من أصدقائي عبر شبكات التواصل الاجتماعي, لمجرد استرجاعي لذكرى مجازر الأرمن في بدايات القرن الماضي

استنكارات وشجب ومطالبات بالإعتذار, لمجرد أني طرقت الموضوع, وتذكير أيضا بأن من قام بالمجزرة هم قوميون أتراك علمانيون وليس الخلافة (هذا طبعا متناسين المجازر التي حصلت في زمن السلطان عبد الحميد) العثمانية الإسلامية.

رغم أن التيارات الإسلامية اليوم موجودة في انتكاسة مرحلية لكن أتباعها المباشرين وغير المباشرين موجودون, ويعيدون اجترار كل ما تم تلقينه لنا كأطفال عن التمايز بين الإسلام وبين المسلمين, وأن أسباب انتكاسنا كمسلمين هي بعدنا عن الإسلام, وعن اقتباسات مخملية ناعمة عن عمر بن الخطاب ودرّته التي ينهى بها عن المنكر, وعن غيره من الخلفاء الإسلاميين عبر التاريخ.

أعتقد أن الوقت قد حان لنا أن ننفض الغبار عن تاريخنا وننظر إليه مباشرة دون تلك الهالة الأسطورية التي نحب أن ننظر إليه بها, وأن نفهم مرة واحدة إلى الأبد أننا لا يمكننا العودة إلى الماضي في المستقبل, وأننا علينا أن نسلك مسار التطور الإنساني الذي تسير عليه كل الشعوب التي ركبت موجة التقدم.

لا تهمني حقيقة أن يقتنع الأفراد بالأساطير والمأثورات وأن يتبنوها منهجا لهم, لكن علينا أن نمنعها منعا باتا عن الحيّز العام, وعن وعينا الجماعي والإنساني, فهنالك يتوجب علينا أن نتحرى الحقائق وفقط الحقائق وفق مناهج علمية بحتة, ولا نتحدث سوى عبرها دون أن يكون مكان لمشاعرنا الفردية مكان في تجميل ومكيجة الحقائق الصمّة.

وعندما نعود إلى مجازر الأرمن نرى حقيقة واضحة أن مجازر جماعية وتهجير قصري حصل ضد ملايين الأرمن الذين سكنوا في ما يعرف اليوم بتركيا, حيث لم يتبقّ فيها سوى سبعة وسبعون ألف أرمني في العام 1927 من أصل ثلاثة ملايين وستمئة ألف سكنوها قبيل الحرب العالمية الأولى.

لا يمكننا الرد تلقائيا مشككّين بكل ما هو معروف وحقائق واضحة لمجرد معرفتنا لهوية القاتل.

يمكن أن نتجادل هل يمكن تسميتها “إبادة جماعية” أم لا, رغم قناعاتي الشخصية بوضوح الإجابة, وذلك يتم عبر حقائق ودراسات تفصيلية, وليس عبر هتورات فيسبوكية, ومقارنات مجزرة ألف بمجزرة باء, ومن لديه القدرة الأكبر على التدمير.

 

لماذا تهمّني تلك الإبادة ؟

لأنّ هذه المجازر حدثت باسم الإسلام والمسلمين, وعلى كل من يؤمن بحقوق البشر أن يكون فائض الحساسية عندما يكون القتل والدمار نابعا بإسمه, وليس العكس, رغم طبيعتنا البشرية أن نحزن عندما يكون الظلم واقعا على قومنا أو ملّتنا أو أقربائنا, ولكن علينا عندما نفكر بعقلنا ألّا نكون أقل حساسية عندما يكون الظالم من قومنا أو ملّتنا أو أقرابئنا.

يجب علينا أن نطور منطق تعاملنا مع واقعنا, حيث يجب أن نفصل أولا عن القناعات الغيبية والإيمانية أو الأهواء الشخصية, وبين التوجه العلمي الذي يجب أن نتبناه دوما, هنالك الكثير طبعا من اللبس في تفصيل وتبرير الوقائع التاريخية, ودائما يكون تباين معيّن, والإختلاف صحي ومطلوب ما دامت هنالك محاججة منطقية وإدعاءات مضادة بمحاولة تأكيد أو تفنيد مقولات معينة.

ولكن يتوجب علينا ترك الردح والشتم وشخصنة الموضوع والهجوم على صاحب المقولة بدل دحضها, فذلك لا يخدم أي أحد بل يحولنا إلى مجموعة من الببغاوات الصاخبة.

وفي محاولة للعودة إلى المجازر إياها, نجد أن العوامل نفسها من السهولة التي يتم بها تهييج الجماهير ما زالت موجودة, ومن ازدرائنا لأفكار مختلفة عنا بديانات توحيدية أخرى.

وحدث ولا حرج عند الحديث عن ديانات مثل البوذية والهندوسية أو حتى الملحدين.

ناهيك عن الصراعات الداخلية بين المذاهب الإسلامية المتناحرة وعلى رأسها السنة والشيعة, أو التوجه شديد السلبية أمام الفئات المنشقة عن الإسلام مثل الأحمدية أو الدروز أو البهائيين.

يتحتم علينا كمسلمين بأسرع وقت ممكن أن نتخلص من هذا الموروث من العنصرية وكره الآخر, وتبني قبول التعددية كمبدأ أساسي في تعاملنا كمجتمع أو كأفراد, تماما كما نصفق عندما يصبح مسلم رئيس بلدية لندن أو وزيرا في فرنسا.

علينا أن نختار الإنسان المناسب في المكان المناسب في بلادنا ونحايد تفاصيله الحياتية بينه وبين خالقه.

وعلينا دوما أن نفصل بين اختلافنا في إيماننا وبين كوننا كلنا بشر نملك حقوقنا الأساسية في التحقق وتقرير ما يلائمنا من قناعات دون أن يمليها أحد علينا.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
اظهر المزيد

رشيد الحاج عبد إغباريه

كاتب ومهندس برمجيات فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.