العرب والعالم

الدكتورة أسمهان بدير تكتب عن: الحقيقة الموجعة

نتائج مثل هذه الحروب تبدأ بعدما تهدأ القنابل وتخرس أصوات المدافع والصواريخ

«بسبب نفاد الصبر، طردنا من الجنة، ولعلنا نعود إليها إذا صرنا من الصابرين».. (كافكا)

مما لا شك فيه أن وطننا لبنان يجتاز مرحلة من أصعب مراحل تاريخه الحديث، فقد عاش هذا الوطن الجريح ١٦ عامًا حربًا أهلية، من أقذر أنواع الحروب وأخطرها.

ومن المعروف أن نتائج مثل هذه الحروب وخطورتها على المجتمعات الأهلية وعلى الأجيال الصاعدة، تبدأ بعدما تهدأ القنابل، وتخرس أصوات المدافع والصواريخ، ويعود المجتمع الى الحياة الطبيعية.

هنا تبرز المأساة، ونكتشف حالة المجتمع النفسية الخطيرة، وتنهزم الديموقراطية بكل أنواعها، وتبرز طبقة انتهازية جاهلة من أثرياء الحرب، ورؤساء الميليشيات، تتنفس في المجتمع وتسيطر عليه.

وتذكرني تلك الحالة بحالة أثينا الإغريقية، عندما سيطرت عليها إسبارطة بعد الحرب، وفرضت على شعبها نظامًا استبداديًا، لكن شعب أثينا، سرعان ما ثار على الطغاة.

فاستعادت أثينا نظامها الديموقراطي، إلا أن الديموقراطية الأثينية العائدة أصابها الوهن، بعد المِحنة التي عاشتها بسبب الحرب.

وبدأت مؤسساتها السياسية والإجتماعية تتدهور تدريجيًّا، بما في ذلك العدالة والقانون، وانهارت المجتمعات الأهلية الراقية والطبقات المتوسطة وحل محلها طبقة انتهازية من أثرياء الحرب والجهلة.

بحيث سيطر الإنحطاط على كل مرافق الحياة، وبخاصة على المناخ العلمي والثقافي والفلسفي والاجتماعي، واختفت المباديء، وحل محلها الطمع والجشع والحسد والإدعاء.

حتى أن سقراط في دفاعه عن نفسه يوم حكم عليه بالإعدام، قال أمام أعضاء المحكمة: «أيها الأثينيون، إنتي أعذر البشر علمًا، لأن سائر البشر يعتقدون بأنهم يعلمون شيئًا ما، ولكنهم، في الواقع، لا يعلمون شيئًا على الإطلاق، بينما أنا أعلم بأنني لا أعلم شيئًا».

انطلاقًا من هذه الحقيقة الموجعة المتفشية في المجتمع اللبناني الذي أصابه الجشع، وسيطرت عليه مجموعة من الإنتهازيين ورؤساء الميليشيات وأثرياء الحرب، حديثي النعمة، والجهلة، والحاقدين، ووضعوا أياديهم البيض على اقتصاد البلد وثرواته، وعلى خيراته وأملاكه وبنوكه ولقمة عيشه وأسواقه.

إن ما نشكو منه اليوم من أزمات، وصعوبات اقتصادية، وذبذبة تربويةً وأخلاقية، وحقد، وتفكك قومي وأهلي، وتدخل السياسيين المغرضين السافر في كل مرافق الحياة، دون استثناء، علاوة على القيم والأخلاق التي تبخرت واختفت من الساحة اللبنانية، وحل محلها الفساد بكل أنواعه وفنونه.

بينما تتضاعف فواتير الكهرباء والضرائب والتطبيب وأقساط المدارس، وتتحول إلى أضغاث أحلام تقض مضاجع جميع اللبنانيين، بحيث أصبح معظم الشعب اللبناني مجبرًا على الوقوف في الطابور، وكل يده في جيب الاخر.

هذه هي حالنا في لبنان، بلد الديموقراطية والحضارة، والعدالة والحريّة، البلد الذي كان يطلق عليه اسم سويسرا الشرق، ولن تتغير هذه الحال بسوى الوعي الخلاق، والعودة إلى القيم والأخلاق الأصيلة، اجتماعيًا وسياسيًّا، و(لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم!)

فهل يثور الشرفاء من هذا الشعب المغلوب على أمره اقتصاديًا واجتماعيًّا وتربويًا وضرائبيًا، ويخلصون هذا الوطن من حثالة أثرياء الحرب ورؤوساء المليشيات والمجرمين والقتلة، ومن الوهن الخطير الذي أصاب كل مرافق الحياة، بما في ذلك القانون والقضاء والعدالة والثقافة والأخلاق والمبادىء، الأمر الذي أدى إلى حالات خطيرة من الإدعاء الكاذب والتمزق العائلي والأهلي، بحيث سيطر على معظم اللبانيين القلق، والمعاناة وحالات التمزق، والهستيريا الجماعية والأمراض النفسية المتشعبة، والوصولية الرخيصة.

والأخطر من كل ذلك شعورنا بأن الوطن كله برسم البيع، وأن الروح في حالة اغتراب إلى الأبد، اللهم الا إذا حدثت المعجزة!!.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الدكتورة أسمهان بدير.. شاعرة ومفكرة لبنانية

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

خاص - المجتمع

خدمات وصفحات خاصة تقدمها بوابة المجتمع لقرائها ومتابعيها الكرام بالتعاون مع عدد من المتخصصين في شتى المجالات
لتوجيه سؤال أو طلب استشارة أو خدمة برجاء مراسلتنا على
واتس 01033668811
خاص - المجتمع

خاص - المجتمع

خدمات وصفحات خاصة تقدمها بوابة المجتمع لقرائها ومتابعيها الكرام بالتعاون مع عدد من المتخصصين في شتى المجالات لتوجيه سؤال أو طلب استشارة أو خدمة برجاء مراسلتنا على واتس 01033668811

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.