اخترنا لكثقافة وفنونمساحة للاختلاف

حكايات الدراويش (1-3)

وتعد التكية واحدة من الآثار القليلة في العالم، التي مازالت تحتفظ بطابعها كاملًا

[1]

الدراويش هنا هم بعض الرجال الذين قابلهم الرحالة الأجانب أثناء زياراتهم لمصر وتحدث عنهم المؤرخين.

وكان المرافقون للرحالة من المصريين يوقرونهم ويبجلونهم.

وقد تباينت ردود أفعال الرحالة تجاه هؤلاء الدراويش.

فقد بجلهم ووقرهم بعضهم, ورأي البعض الآخر فيهم أنهم كسالي ولا عمل لهم.

وكانوا يتعجبون من توقير المصريين لهؤلاء.

والمؤرخون العرب يفرقون بين التصوف والدروشة، حيث يعتبرون أن الدروشة جزء منها اتكالي سلبي وانعزالي، وإنْ كان العامة اعتادوا إطلاق صفة (الدروشة) على المتصوفة الذين ينقطعون للعبادة، حتى ولو كان ذلك إيجابيا في حياتهم، بمعنى أنه مع عبادتهم يؤثِّرون في المجتمع ويتأثر بهم، وهي كلها المعاني التي تضاد (الدروشة) التي قد يعتبرها آخرون تعني التكاسل والتواكل.

وعلى الرغم من أن العامة أطلقوا على أصحاب هذه التكايا بأنهم من الدراويش، فإن ذلك كان يأتي اتساقا مع الأجواء العامة في ذلك العصر، التي اختلط فيها المتصوف بالمتدروش. يذكر المؤرخون أن الكثير من سلاطين آل عثمان وأمراء المماليك وكبار المصريين تحسبوا لغضب أصحاب التكايا، فأوقفوا عليهم المرتبات، وأسرفوا ببذخ على تلك المباني وعلى سكانها. [1] .

الأديب حمدي البطران يكتب عن حكايات الدراويشوللدراويش تكية تسمي, تكية الدراويش, أو التكية المولوية, ترجع إلى القرن الرابع عشر، وقام بتشييدها الأمير شمس الدين سنقر السعري، نقيب المماليك السلطانية، وتسع نحو 52 شخصًا، منهم الإمام والمؤذن والقارئ ومتعاطي الدعاء والذاكرون، بغرض استخدامها كحلقات للذكر، وقراءة القرآن الكريم.

وتعد التكية واحدة من الآثار القليلة في العالم، التي مازالت تحتفظ بطابعها كاملا، فالزائر لها يجدها تعلوها قبة، محمولة على 12 عمودا من الخشب رمزا لأئمة الشيعة الاثني عشر، ويخرج من القبة ثمانية شبابيك صغيرة، وتتميز القبة بزخارفها الزاهية ونقوشها البديعة، وتمزج بين تراث الشيعة والسنة في توافق روحاني بديع.

تحويل التكية إلى مركز ثقافي للاحتفالات الدينية والموسيقية، كما كان دورها في الماضي، وقد تم ترميمها وصيانها بالتعاون مع المعهد الإيطالي للآثار.

ومن بين الوقائع التاريخية، التي شهدتها التكية، أن السلطان العثماني سليم الأول اختبأ فيها مرتديا زي المولوية، قبل استيلائه على حكم مصر بإطاحته بآخر سلاطين المماليك قنصوه الغوري عام 1517م.

تتكون التكية من طابق واحد، تغطيها القباب، بمستويات مختلفة، فأكبرها قبة حجرة الدرس، ثم قباب الخلاوي، ثم قباب الظلة.

وتضم ملحقات التكية «المتحف المولوي» الذي يعرض صورا فوتوغرافية ووثائق خاصة بالمولوية.

ويعرض هذا المتحف في أحد أقسامه كتاب «المثنوي» لجلال الدين الرومي، مؤسس الطريقة المولوية، الذي أهدته وزارة الثقافة التركية للمتحف.

أما زي المولوية الشهير، فيعرض في خزانة أخرى بالمتحف، وكانت فرقة «سماع اسطنبول» التركية قد أهدته أخيرا إلى المتحف [2].

وقد كتب علماء الحملة الفرنسة عن تلك الظاهرة في الجزء الأول من كتاب وصف مصر:

  • وثمة عادة خاصة بمصر لا تشاركها فيها فيما يبدو بقية الدول الإسلامية, تلك هي عادة إقامة الأعياد للأولياء, حيث لكل قرية, ولكل حي من مدن مصر الكبرى ولي يحتفل الشعب بيوم مولده, وبرغم ذلك فلا تقام أيه صلوات إضافية في المساجد, وعلي الرغم من الدافع الديني لهذه الأعياد إلا أن رجال الشريعة لا يشاركون فيه علي الإطلاق, ويتركون شئون الاحتفال للسكان من كافة الطبقات, وهؤلاء نهمون علي الدوام للبهجة وضروب اللهو, ويفضل المصريون الاحتفال بأعيادهم, ومسرتهم في الليل, وهذه في الغالب عادة كل الشعوب التي تعيش في جو حار, فالليل في المناطق المدارية في الواقع هو الوقت الذي تنشط فيه أجسامهم وملكاتهم .

الأديب حمدي البطران يكتب عن حكايات الدراويشكما جاء في موسوعة وصف مصر عن الدراويش أنهم فئة من المخبولين يرسلون شعورهم, ويباح لهم كل شيء, وتؤمن بهم العامة في تبجيل أعمي وخارق المألوف, وأحد هؤلاء الرجال ممن رأيتهم في القاهرة [3].

وقد أشاع أنه يوحي إليه من النبي محمد, كانت لديه عادة التجوال في شوارع القاهرة عاريا تماما, وكانت النساء, ممن يصادف وقت مرورهن مروره, كن يقفن ويقتربن منه لتقبيل يده, بدلا من أن يتراجعن إزاء هيئته, وذات مرة (وهو ما وجدنا صعوبة في تصديقه) أمسك هذا المجذوب بواحدة من هؤلاء النسوة, وألقاها علي الأرض وسط أحد الشوارع المزدحمة, فنزعت سيدة أخري – كانت بجوارها – خمارها وغطت به الثنائي المحظوظ, أما المرأة الأولي فإنها قامت بنفسها بعد ذلك تخطب في الناس الذين تجمعوا قائلة, إن إلهاما قاد هذا الرجل المبارك إلي هذا المكان, وأعلنت أنها سترزق من اتصاله بها ولدا مخلصا ومؤمنا, ثم اصطحبت المجذوب معها وأعطته ثيابا, غير أن قام بتوزيعها علي الفقراء.

كما يحكي الفرنسيون عن شيخ آخر اسمه الشيخ احمد أبو حديد – جاءت هذه التسمية فيما يقال بسبب جرح كبير في الرقبة شفي منه الشيخ بطريقة خارقة. مات إثناء الحملة الفرنسية، وهو من بين هؤلاء المدعين الذين يجوبون الشوارع عراه تماما أو مستترين بخرق بالية, وقد سار خلف جنازته جماعة ممن هم علي شاكلته من الدراويش بالتتابع ذات اليمين وذات الشمال, ويصدر عنهم أنين شديد, أو علي وجه الدقة عويل غريب, وقد أجهدوا لدرجة أن راحوا يزبدون, واحتقنت الوجوه وجحظت العين من الرؤوس .

ويحكي صاحب السمو الإمبراطوري والملكي الأمير رودلف الذي زار مصر في عهد الخديوي إسماعيل وزار الصعيد في باخرة نيليه انه بعد مروره بمدينة أبو تيج توقفت الباخرة, واقترب منها قارب, فسأل الأمير عن سبب توقف الباخرة, وعرف أن بين الجبال الصحراوية القاحلة قبر أحد الأولياء الصالحين, ويسمونه شيخا, وهو يطالب بالضريبة, والسفينة التي تمر ولا تدفع هذه الضريبة تتعرض وفقا للمعتقدات الشعبية للاصطدام أثناء سيرها في النهر, ويتلقى ربان السفينة الأمين الذي يدفع هذه الضريبة دعوات وتبريكات من المتسولين التابعين لمقام هذا الشيخ.

تقول لوسي دوف جوردون, وهي انجليزية عاشت في الأقصر, إن المسيحية الإسلام في هذا البلد يمتلئان بالعبادة القديمة, أما الحيوانات المقدسة فقد أصبحت خداما لأولياء الله, فأحد هؤلاء الأولياء يسيطر علي التماسيح في المنيا, تحكي أنها شاهدت بعينها علي رأس جبل هريدي الحجر الذي يأوي إليه ثعبان ” اسكيولايتس “, وقد أطعمت بيدها جوارح الطير التي كانت تمزق جوانب القوارب التي تمتنع عن إطعامها .

وتقول لوسي دوف جوردون أن النساء عند موتهن يظهرن كالتماثيل المنحوتة علي الآثار القديمة وهن يقدمن قربانا للنيل، والنساء المصريات إلي اليوم يطفن بالتماثيل القديمة حتى ينجبن أطفالا. وتحكي أنها في عام 1863 وكانت تسافر في سفينتها إلي الأقصر وعند البلينا دعاها خادمها عمر إلي الوقوف ساعة لزيارة أحد الصالحين, وحينما ذهبت معه,هالها أن الرجل بشع الهيئة, وعار تماما كما ولدته أمه, وله جلد كجلد الكركدن, ويظل شاخصا ببصره ليل نهار,ويحج إليه الغادون والرائحون. يقدمون له الهدايا، ودهشت السيدة، وهي تري العاملين علي المركب، ومعهم فريق تعداده ثلاثون شخصا، يتحلقون حوله ويسألونه البركة, أما هو فلم يتحول عن النظر إلي السيدة, وقد اشمأزت اشمئزازا تاما بهذا المنظر النكر, وقد قيل لها انه لا يؤدي الصلاة ولا يصوم ولا يقوم بما فرض الله من عبادات, وأنه يعلم الغيب وما تخفي الصدور, وأكد لها خادمها عمر, أن الشيخ بإمكانه أن يقرأ ويكتب, ويكون في مكانين في آن واحد, وانه يطوف بمكة وبغداد ومراكش في ساعة واحدة أو بعض الساعة. كانت السيدة تعلم أن ما يقولونه لها عبارة عن خزعبلات وخرافات.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] – طه علي. تكية الدراويش» في القاهرة التاريخية. تستعيد مجدها بحلة جديدة. صحيفة الشرق الأوسط. 2فبراير 2009 العدد 11024

[2] – المصدر السابق

[3] – أدم فرانسوا جومار. أحد علماء الحملة الفرنسية. مؤلف الجزء الحادي عشر من موسوعة وصف مصر

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

حمدي البطران

حمدي عبد الله أحمد البطران.. كاتب روائي وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القصة بالقاهرة.. له العديد من الإسهامات الأدبية، والتي تنوعت بين القصة القصيرة والرواية والمقالات.. حصد عدد من الجوائز الثقافية، منها الجائزة الأولى لنادي القصة المصري في الرواية (1991) وجائزة إحسان عبد القدوس في الرواية (1994، 1996).. حاصل على بكالوريوس الهندسة وليسانس حقوق وليسانس علوم الشرطة.

Latest posts by حمدي البطران (see all)

حمدي البطران

حمدي عبد الله أحمد البطران.. كاتب روائي وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القصة بالقاهرة.. له العديد من الإسهامات الأدبية، والتي تنوعت بين القصة القصيرة والرواية والمقالات.. حصد عدد من الجوائز الثقافية، منها الجائزة الأولى لنادي القصة المصري في الرواية (1991) وجائزة إحسان عبد القدوس في الرواية (1994، 1996).. حاصل على بكالوريوس الهندسة وليسانس حقوق وليسانس علوم الشرطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.