استشاراتمساحة للاختلاف

رسالة إلى أبي!

لا.. لا.. أتذكر الآن.. مرة وحيدة فقط على مدار عمري.. وأتذكرني فى السادسة من عمري

ماذا أقول لكَ يا أبى, الوحيد بالعالم، الذي أنتظر منه أن يعلمني ويرشدني, ويدرّبني حتى اكتسب خبرات حياتية، تمكننى من الإبحار جيدا بمحيطات الحياة, لكنك للأسف لم تعلمني حتى أن أخطو بقدمى فى شبر ماء!.

أصبحت الآن فى السنة الثالثة من أعلى كلية عملية كنت تريدنى أن أدخلها, وبسهولة حصلت على مجموع أعطانى ترتيبا متقدّما على محافظتى والأول بالطبع على مدرستى, لكنى ماشعرت بقصورى إلا منذ دخولى الكلية الحلم..

نعم وجدتنى لا أعرف تكوين صداقات, ولا أعرف كيف أتصرف فى أتفه المواقف, وأرجع إليك فى كل ما يقابلنى, حتى أننى كرهت نفسي, لأنني كرهت عجزي, فقاربت أن أكرهك، لأنك لم تكن حريصًا على تحميلي المسئولية, لم تحاول أن تجعلنى أواجه وأتصرف فى أى موقف, أتذكر الآن, تطوف الذكريات الآن بخيالى, فى محاولة لمعرفة كيف وصل بى الحال لهذا الحال؟!!!

 

في المرحلة الإبتدائية

أتذكر وأنا فى المرحلة الإبتدائية أن نظر إلىَّ أحد زملائى من الأطفال، وقال: «انت غلبان قوي، لأنك كل فسحة بتقف جنب العمود، تأكل فى سندويتشك وبعدين تطلع الفصل, ماحدش بيلعب معاك ليه؟!».

يومها نظرت له، ولم أعرف بما أجيبه, وظلت كلمة «غلبان» ترن فى أذني، كلما وقفت بالكلية وحدي دون زملاء, تعرف يا أبي تذكّرت أنني رغم وجود أخت لى أكبر منى وواحدة أصغر, لم تحاول أي واحدة، ولا حتي أمي أن تطيب خاطرى لو انطويت في أحد الأركان معلنا عن انكساري وحزني لعقاب صدر منهن ضدي، سواء لفظي أو سلوكي.

لا.. لا.. أتذكر الآن.. مرة وحيدة فقط على مدار عمرى, وأتذكرنى فى السادسة من عمرى, وقد وبّختنى وعاقبتنى أختى الكبيرة على سلوك لا أعرف حتى ماهو.. وكثيرًا ما كانت العقابات لأسباب لم يقلها لي أحد لأني أتصرف بحسن نية، وطبقًا لأفكاري البسيطة, والتى قد يرونها تستحق العقاب, ولا يكلف أحد نفسه مشقّة إخباري بخطأي على الأقل حتى أتعلم منه ولا أكرره فأعاقب مرة أخرى دون أن أعرف السبب وهكذا.

لكنني فى هذه المرة، وأنا جالس فى الركن باكيًا, وجدت أختي الكبيرة تأتيني على غير اعتياد, فظننتها ستعاقبتني ثانية على بكائي وكثيرًا ما يحدث ذلك, لكنني وجدتها لتعجّبي تحيطني بذراعيها, وتقبّلنى وتطيّب خاطرى, وتأخذ عليّا عهدًا بعدم تكرار شقاوتي, حتى الآن لم أنسى هذا الإحساس بالحنان الذي غمرتنى به, والذى لم يتكرر مرة أخري على مدار حياتى حتى الآن من أمى أو أخوتى, ومازال المشهد أمام عينى وكم تمنيت تكراره.

 

كيف عرفت أنكم تحبونني؟

أتراني الآن يا أبى, أعرف أنكم تحبوني, وإلّا لم تكونوا سعيتم لأحصل على استشارة نفسية, لتعرفوا ما حدث لي ويسبب ثورات غضبى غير المفرملة, والتى ما عدت أنا اتحكم بها, لكنى أدركت الآن أننى بدأت أرى نفسى بين أقراني, بدأت أشعر بضآلتى وعدم تقديرى لنفسى.

كنت أعتقد التفوق هو الذى يصنع قيمة الإنسان كما أفهمتموني, وانهمكت غارقًا في التفوق, حتي دخلت كليتي, وغرقت بالفعل فى أقل السلوكيات, رأيت زملائي يتصرفون بثقة وقدرة أفتقدها, لماذا يا أبي حتى الآن كل كلماتك لى تصفني بالضعيف والجاهل، الذى لن يتعلم أبدًا تصفني بأننى عاجز عن القيام بأى مسئولية, وكأنني كنت المسئول عن تربيتي!

لماذا جعلتوني ساكن ومُهمل فى المنزل دائما, لا أتذكر أن كلفني أحد بالقيام بأى مهمة, لا أتخيل أن أتزوج وأنجب أبناء يشبهونني, أي على شاكلتى السلوكية الضعيفة, قد فاض بى الألم ونظرات من حولى تجرحنى حتى لو كانت عن غير قصد, وقد لا يعنون ما أترجمه من نظراتهم, لكن هذا حالى الآن.

ألومك؟.. نعم ألومك يا أبي لأنك لم تمنحني أسلحة للحياة, لأنك لم تدعنى أخطيء وأصيب, ألومك لأنكم جميعًا تروننى لست جدير بالقيام بالمهام فلم تسندوا لى أقلها, فأحسست انك لا ترونى, فآثرت أخيرًا الاعتراض على كل كلماتكم الموجهة لي, كأننى ألْفت نظركم لي, فتفتحون عيونكم كأنكم تروننى فى غير ثوب السكون والهدوء الذى اعتدت أن أرتديه.

فتعبثون لحظة ثم تتطاير كلماتكم الاعتراضية لهذا الذى أصبح له صوت, فكأنى كنت أنتظرها لأجدها سبب وجيه لثورتى التى تتعدى المعقولية, نعم أعرف أننى أتعدى حدودى كثيرا وليس أحيانا, لكنكم ترون سلوكى كأنه فعل لا مبرر له, ولم تروا أنه رد فعل لأفعالكم قديما وحديثا, تمنيت أن ترونى وتشعروا بى, أردت أن أقول لكم أننى كبرت, ولم أعد ذلك المسكين الذى كنته يوما ما, نعم كبرت ياأبى, فهل ترانى؟ .. هل ترونى؟ !! ليتكم تروني

******

من كتابي «أبناؤكم يستغيثون منكم بِكم»

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

الدكتورة فايزة حلمي

د. فايزة أحمد حلمي صادق.. أخصائية تدعيم نفسي, مستشار تربوي وأسري وزواجي، ومدربة أسلوب حياة بجلسات جماعية, لتغيير نمط التفكير السلبي.. ومتخصصة في الدورات التدريبيةللأمهات، للتعامل مع الأبناء بسن المراهقة.. حاصلة على دكتوراه علم نفس تربوي، كلية التربية بطنطا
الدكتورة فايزة حلمي

Latest posts by الدكتورة فايزة حلمي (see all)

الوسوم

الدكتورة فايزة حلمي

د. فايزة أحمد حلمي صادق.. أخصائية تدعيم نفسي, مستشار تربوي وأسري وزواجي، ومدربة أسلوب حياة بجلسات جماعية, لتغيير نمط التفكير السلبي.. ومتخصصة في الدورات التدريبية للأمهات، للتعامل مع الأبناء بسن المراهقة.. حاصلة على دكتوراه علم نفس تربوي، كلية التربية بطنطا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.